
يأخذ هذا المقال عنوانه من السمة العامة التي باتت تُميّز نظام الحكم في إسرائيل عهد نتنياهو، خصوصاً مع حكومته الحالية. فقد أصبحت قضية تعيين المسؤولين الكبار في إسرائيل من أكثر القضايا إثارةً للجدل على المستويات، السياسي والأمني والإعلامي. ما يعود إلى ميل نتنياهو وأعضاء حكومته إلى تفضيل تعيين قائمين بالأعمال في الوظائف الكُبرى الشاغرة، بدلاً من تعيين مسؤولين دائمين. ويسري هذا على التعيين في المناصب السياسية أو الأمنية، ما ينعكس، في النهاية، على الكفاءة المهنية والصلاحيات الممنوحة للمعيّنين “قائمين بالأعمال”، وإلى أيّ مدى يمكن أن يكون أداؤهم مهنياً في ظلّ وجودهم المؤقّت في هذه المناصب.
وتوضح الصحافية الإسرائيلية تال شنايدر أنّ أسلوب نتنياهو هذا يأتي في إطار استعداده للانتخابات المقبلة، وهو انعكاس لحالة عدم اليقين التي تسود المناخ السياسي في إسرائيل. وترى أنّ من شأن الطريقة التي يتبعها نتنياهو في التعيينات إضعاف المؤسّسات، وضياع المسؤوليات، وتعميق التبعية للسلطة السياسية، وتحديداً لرئيس الحكومة، أو الوزير الذي يتبع هذا الأسلوب في وزارته.
وخلال العامَين الماضيَّين رصدت الصحافة الإسرائيلية وظائف عليا كثيرة شاغرة، تعمّد نتنياهو تركها من دون تعيين مسؤولين دائمين، واكتفى بتعيين قائمين بالأعمال فيها؛ منها تعيين جيل رايخ قائماً بأعمال مستشار الأمن القومي، وتعيين دانيال هيرشكوفيتس رئيساً بالوكالة لمفوضية خدمات الدولة المسؤولة عن تعيين كبار المسؤولين. في السياق نفسه أيضاً، حاول نتنياهو تعيين دروريت شتاينماتس مديرة عامّة لمكتبه رئيساً للوزراء، لكنّه اضطر، بسبب مخالفات ارتكبتها هذه تتعلّق بميزانية مقرّ إقامته الرسمي، إلى تعيينها قائمةً بأعمال المكتب. يتكرّر هذا في مؤسّسة التأمين الوطني؛ أهم مؤسّسة اجتماعية في إسرائيل وتعمل تحت إشراف وزارة العمل وتدير ميزانية بنحو 30 مليار دولار؛ ورغم ذلك لم يُعيّن مديرٌ عامٌّ دائم لها، ويدارها منذ أكثر من ثلاث سنوات قائم بالأعمال.
التعيينات في المناصب العليا في عهد نتنياهو لم تعد مرتبطةً بالمصلحة العامة وأهل الكفاءة، بل بأهل الثقة
ولا يقتصر الأمر على هذه الوظائف، بل يمتدّ إلى الوزارات نفسها، فمنذ قرار حزبي يهدوت هتوراه وشاس، في يوليو/ تموز الماضي، الانسحاب من الائتلاف الحكومي بسبب عجز الحكومة عن تمرير قانون إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، أصبحت هناك وزاراتٌ شاغرةٌ في الحكومة. وقد دفع هذا الأمر نتنياهو إلى ملء الفراغ في هذه الوزارات عبر السياسة نفسها، وتعيين وزراء قائمين بالأعمال. في هذا الإطار، كلّف نائب رئيس الوزراء ووزير العدل ياريف لفين تولّي عدّة مناصب وزارية بصفة قائم بالأعمال؛ فأُسندت إليه وزارة العمل، ووزارة الشؤون الدينية، ووزارة القدس والتراث، التي يديرها جميعاً منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2025. علاوة على قيامه بأعمال وزارة الداخلية. وقد أسندت إليه هذه الوزارات حينها بشكل مؤقّت حتى يعود وزراء الأحزاب الحريدية إلى مناصبهم، وهو ما لم يحدث. وقد تكرّر هذا أيضاً مع الوزير حاييم كاتس، الذي كان يتولّى حقيبة السياحة عند تشكيل الحكومة في 2022، ثم أسندت له وزارة البناء والإسكان، ووزارة الصحّة، ووزارة الرفاه والخدمات الاجتماعية في 2025 عقب انسحاب الأحزاب الحريدية.
وقد توسّع نظام تعيين قائمين بالأعمال في المناصب العسكرية والجيش الإسرائيلي، فبسبب تلاعب وزير الأمن يسرائيل كاتس في مسألة التعيينات، وتضييق الخيارات أمام رئيس الأركان إيال زامير، اضطر الأخير (عيّنه نتنياهو في فبراير/ شباط 2025 بعد استقالة سلفه هرتسي هاليفي) إلى تعيين مسؤولين مؤقّتين عن بعض الأسلحة في الجيش، فعيّن قائماً بأعمال رئيس سلاح المدفعية. وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي كانت هناك خلافات بين كاتس وزامير، بشأن تعيين بديل دائم لمنصب الملحق العسكري في الولايات المتحدة، ونتيجة لهذا الخلاف جرى التوصّل إلى حلّ وسط، واتُّفق على تعيين العميد إريك بن دوف قائماً بالأعمال للمنصب المذكور.
امتدّ تعمّد ترك المناصب شاغرةً إلى المحكمة العليا، أهم مؤسّسة قضائية في إسرائيل
لماذا يلجأ نتنياهو إلى التعيين المؤقّت بدلاً من التعيينات الدائمة. في هذا السياق، ينبغي معرفة وجوه الاختلاف بين شكلَي التعيين المذكورَين؛ فبينما يتطلّب التعيين الدائم استكمال إجراءات اختيار رسمية وتقارير لجان، وفحص، وموافقة لجان استشارية خاصّة للمناصب العليا، بحسب نوع المنصب، لا يتطلّب تعيين القائمين بالأعمال هذه التعقيدات. كما أن المسؤول الدائم يتمتّع بصلاحيات كاملة، بما في ذلك القرارات الاستراتيجية وطويلة الأجل، ولديه ولاية قانونية لتولّيه المنصب أصالةً وليس مؤقّتاً، بينما لا يتوافر هذا للقائمين بالأعمال. كما أنّ التعيين الدائم يعني استقراراً مؤسّسياً أفضل، وتكون قرارات المسؤول الدائم أقلّ عرضةً للطعن القانوني. ويصبح من الطبيعي أن تخضع عملية إنهاء مهام المسؤولين الدائمين إلى إجراءات أكثر تعقيداً، وهذا ما يوفّر له في الأصل الحماية القانونية التي تدفعه إلى القيام بعمله بمسؤولية لا يتقيّد فيها برغبات القيادة السياسية أو مزاجها، على عكس القائم بالأعمال الذي يعرف أنّ وضعه القانوني أقلّ رسوخاً، وأنّ بقاءه في منصبه منوط برضا المسؤولين السياسيين. ولعلّ المثال الأوضح على تأثير التعيين الدائم في استقلال القرار والعمل لصالح الدولة لا أشخاص المسؤولين في الحكومة، شخصية جالي بهاريف ميارا المستشار القانوني للحكومة، وقد عارضت عشرات القرارات التي أصدرتها حكومة نتنياهو الحالية، وكانت عقبة في تنفيذ مراسيم تنفيذية لوزراء عديدين، ولم تستطع الحكومة أن تفعل شيئاً تجاهها، ولا أن تقيلها بسبب الإجراءات شديدة التعقيد.
ولكي تكتمل الصورة، تقتضي الإشارة إلى ظاهرة أخرى صارخة في موضوع التعيينات؛ إذ بات الإسرائيليون يعرفون أنّ التعيينات التي ينفّذها نتنياهو ووزراؤه تركّز على الثقة وليس على الكفاءة، وعلى ألا يكون أيٌّ من المعيَّنَين مصدر إزعاج له ولأعضاء حكومته، وهي ظاهرة لم تشهد إسرائيل مثيلاً لها من قبل. بل إنّ وظائف قد تبقى شاغرةً فتراتٍ طويلةً بسبب الخلافات داخل الحكومة أو عدم الرضا عن المرشّحين، وهذا ما حدث في هيئة صناعات الفضاء الإسرائيلية التي ظلّت بلا رئيس نحو عام ونصف العام، لأنّ وزير الأمن يسرائيل كاتس كان يرفض تعيين سفير إسرائيل السابق في الأمم المتحدة، جلعاد أردان، في هذا المنصب. وهو ما تكرّر في بعض مناصب وزارة المالية التي ظلّت شاغرةً شهوراً، لأنّ وزير المالية بتسلئيل سموتريتش كان معارضاً تعيين النساء في مناصب عليا في وزارته، بسبب توجّهاته الدينية، ولأنّ المحكمة العليا كانت ترفض تعييناته بسبب عدم وجود تمثيل كافٍ للنساء في المناصب العليا في الوزارة.
وقد امتدّ تعمّد ترك المناصب شاغرةً إلى المحكمة العليا، أهم مؤسّسة قضائية في إسرائيل؛ إذ يتعمّد وزير العدل ياريف لفين عدم دعوة لجنة اختيار القضاة لاستكمال الأماكن الأربعة التي شغرت نتيجة تقاعد أربعة من قضاة المحكمة الـ15، ويصرّ لفين على تعطيل ملء المقاعد الأربعة إلا لو جرت الموافقة على تعيين قضاة أصحاب توجّهات محافِظة.
فساد نتنياهو يقود إلى تسييس المؤسّسات وجعلها أدواتٍ في الصراع الداخلي، ويمسّ بصورة إسرائيل “الديمقراطية” التي طالما تغنّى بها قادتها
يعني ما سبق أنّ التعيينات في المناصب العليا في عهد نتنياهو لم تعد مرتبطةً بالمصلحة العامة، وأن نتنياهو معني بولاء المعينين، ويختار أهل الثقة، وليس أهل الكفاءة. ويضرب الكتّاب الإسرائيليون مثالاً رئيس جهاز الشاباك ديفيد زيني، الذي تولّى منصبه في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، والرئيس الجديد “للموساد”، رومان جوفمان، الذي سيتولّى منصبه في يونيو/ حزيران المقبل، إذ يُنظر إليهما عديمي الخبرة في مجال الاستخبارات، إضافةً إلى أنّ رئيس الموساد الجديد الذي عيّنه نتنياهو ضابط لم يشغل أبداً أيّ منصب قيادي مهم في هيئة الأركان العامة.
وقد دفعت هذه الظواهر إلى اعتبار ما يحدث من أشكال الفساد الذي تجذّر في عهد نتنياهو، ومؤشّراً على عدم وجود أيّ التزام أخلاقي، وتحوّل العلاقات الشخصية مدخلاً يحدّد من يتولّى الوظائف العامة، وهو ما أفرز قيادات سياسية غير مؤهّلة، وتابعين عمياناً لنتنياهو الذي يضر ما يفعله ببنية الدولة في المقام الأول، ويقود إلى تسييس المؤسّسات وجعلها أدواتٍ في الصراع الداخلي، ويمسّ بصورة إسرائيل “الديمقراطية” التي طالما تغنّى بها قادتها، ويجعل منها دولةً شرق أوسطية بامتياز تغيب فيها معايير الكفاءة أمام العلاقات العامة والمحسوبيات. ما يعني أنّنا أمام دولة تتداعى على المستوى الخارجي عبر فقدان شعبيتها وسرديتها وكثير من حلفائها، وعلى المستوى العسكري عبر عدم قدرتها على حسم المعارك التي تخوضها، وعلى المستوى الداخلي المتجسّد في فوضى التعيينات والفساد والانقسام المجتمعي.
المصدر: العربي الجديد






