
ـ في أعقاب المظاهرة الأخيرة التي رفعت شعار ” قانون وكرامة ” في العاصمة دمشق ، عادت إلى الواجهة إشكالية العدالة الانتقالية وما يرتبط بها من مصطلحات الفرز الاجتماعي والهتافات والتسميات النمطية المتداولة ، حيث أظهرت هذه الأحداث أن مرور عام وخمسة أشهر على انتصار الثورة ، لم يكن كافيا لتهدئة النفوس وتسكين الجراح أو حتى ترميمها بشكل نسبي ، تلك التي خلّفتها آثار المرحلة البائدة ، مما جعل تأجيل موعد هذه المعالجة عاملا غير فعّال وغير ناجع في استقرار المرحلة الانتقالية. وهنا يبرز سؤال محوري : كيف يمكن للدولة الناشئة أن تنجح داخليا في ظل نزيف ذاكرة مثقلة بالجراح والألم ، وفي مناخ ما تزال فيه الرؤى والتوقعات متباينة بشكل ملحوظ بين مطلب العدالة من جهة ، ومتطلبات المصالحة من جهة أخرى..؟
ـ فالجرح الذي لا يُعالج بشكل صحيح وسليم لا يتوقف عن النزف والألم ، بل يتحول إلى معاناة ووجع مزمن . كما أن نجاح العملية الجراحية لا يكفي ، بل قد لا يكون مجديا ، إذا انتهى بفقدان حياة المريض تحت تأثير التخدير. لذلك فإن أي مسار سياسي لا يستطيع تحقيق التوازن بين العدالة المطلوبة والاستقرار المنشود يفقد قوته وتأثيره ، مهما بدا موضوعيا في ظاهره ومبرراته
ـ من هنا.. لا يعود السؤال التفاضلي مصالحة بلا عدالة أم عدالة بلا استقرار) مجرد نقاش نظري ، بل يصبح مسؤولية سياسية وأخلاقية مباشرة ، تتعلق بضرورة تعريف المفردات وضبط المصطلحات : من يُحاسَب.؟ وعلى ماذا.؟ ولماذا ومتى وكيف..؟
وما حدود مساحة المصالحة التي يمكن أن تحفظ وحدة المجتمع وبنيته دون أن تُفرغ العدالة من محتواها ومضمونها..؟
ـ إن الغموض في الإجابة عن هذه الأسئلة المطروحة بشكل واضح وصريح ومباشر.. يشكّل معضلة حقيقية ، لأنه يفتح الباب على مصراعيه أمام تطبيق غير متوازن للعدالة ، قد يتحول فيه المسار إلى أداة انتقائية تطال الحلقة الأضعف فقط ، بينما يتم التجاوز عن أصحاب النفوذ والتأثير الذين ترعاهم جهات إقليمية أو تحميهم أطر عشائرية أو مناطقية ، مما يخلق حالة من الاحتقان والغليان والتوتر الداخلي يصعب احتواؤها
ـ ومن هذا المنطلق ، تبدو مقاربة الدولة لهذا الملف أقرب إلى منطق إدارة التوازنات الدقيقة في مرحلة شديدة الخطورة والحساسية ، حيث تتعامل الدولة الجديدة مع استحقاقات العدالة الانتقالية بهدوء وحذر، واضعة في اعتبارها أولوية الحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار الأمني والاجتماعي ، في ظل ضغوط اقتصادية قاهرة .. وتحديات داخلية وإقليمية ودولية متصاعدة ومتناحرة ، تعمل فيها كل جهة وفق أجندات تصب في نهاية المطاف في زعزعة الاستقرار وإرباك توجهات الدولة الجديدة نحو السلام والاستقرار. وفي ظل هذه الأمواج السياسية والاقتصادية والعسكرية المتلاطمة ، تحاول الدولة الصاعدة ألا تنظر إلى العدالة بوصفها مسارا مرحليا شاملا يمكن تطبيقه دفعة واحدة ، بل كعملية تراكمية تتطلب انتقاء مدروسا للفرص الزمانية والمكانية التي تسمح بتحقيق تقدم ملموس في هذه الإشكالية المعقدة ، دون تعريض البنية الاجتماعية لهزات إضافية تنتظرها الأطراف الأخرى بشوق ولهفة شديدين
ـ وبهذا المعنى .. وضمن هذا الإطار، نجد أن السعي إلى تحقيق العدالة المطلوبة لا يجري على أساس التصنيفات الاسمية أو الاستهدافات الشخصية ، بقدر ما يرتبط بتهيئة الظروف المناسبة التي تضمن فاعلية الإجراءات وقابليتها للاستمرار دون الوقوع في المحظور. لذلك نشاهد الدولة في مقاربتها للأمور، تحاول و تسعى جاهدة لتحقيق الموازنة بين ضرورات المساءلة ومتطلبات الاستقرار، بما يحدّ من خطورة الانزلاق نحو ردود فعل انتقامية أو توجهات غير منضبطة ، قد تعمّق الانقسام الاجتماعي ، ليس بشكل عمودي فقط ، وإنما بشكل أفقي أيضا ، بدلا من معالجته وإيجاد الحلول المناسبة له
ـ إن ضبابية الموقف في إيجاد حل عادل وراسخ قادر على تضميد الجرح النازف في الضمير الإنساني ، لا يتوقف إشكالها عند مستوى القرار الرسمي ، بل يمتد إلى مستوى الوعي الشعبي ، حيث يسود شعور متزايد بغياب رؤية واضحة لإدارة ملف العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية ، وما يرتبط به من أسئلة تشكيكية جوهرية حول حدود المحاسبة وآليات تطبيقها. هذا الغموض يخلق تباينا في التفسير والتوقعات بين من يرى في التدرج النسبي ضرورة لحماية الاستقرار، ومن يعتبر أن غياب الوضوح يضعف العدالة ويؤخر إنصاف الضحايا ، فتتسع الفجوة بين متطلبات الدولة في لحظة انتقالية معقدة وتطلعات الشارع إلى عدالة واضحة المعالم وقابلة للفهم والاستيعاب والقبول
ـ ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى تطوير خطاب قانوني ومؤسساتي أكثر وضوحاً، يشرح هذا النهج ويؤطره، ويحدّد بدقة كيفية الموازنة بين العدالة والسلم الأهلي، بما يمنع تحوّل العدالة إلى أداة انتقائية أو تحوّل المصالحة إلى تنازل عن الحقوق.
المصدر: رأي اليوم






