في البدء كان الكلمة

    أسعد قطّان

صبيحة أحد الفصح، تفتتح الكنيسة الشرقيّة الآتية من المدى البيزنطيّ زمن إنجيل يوحنّا. فتقرأ في اليوم الذي تستذكر فيه قيامة المسيح افتتاحيّة هذا الإنجيل: “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله”. هذه الافتتاحيّة، وهي كلام على المسيح من حيث كونه كلمة الله، تنطوي على استجلاء لعلاقته المتينة بالله قبل الخلق وبعده وصولاً إلى ظهوره على الأرض بهيئة إنسان. تشير القرائن إلي أنّ إنجيل يوحنّا كُتب على الأرجح إبّان أواخر القرن الميلاديّ الأوّل. ينتج من هذا أنّ التبصّر اللاهوتيّ في العلاقة الوثيقة بين الله والمسيح بوصفه الكلمة لم يكن ظاهرةً متأخّرةً، كما يذهب إليه بعضهم، بل يضرب جذوره في العهد الجديد ذاته.

ارتباط عيد الفصح بكلام إنجيل يوحنّا على الكلمة الذي كان في البدء يمكن عزوه إلى سياق تاريخيّ واضح المعالم. فالكنائس جميعها كانت تقوم، إبّان القرون الأولى للمسيحيّة، بمعموديّات جماعيّة ليلة عيد الفصح. وقد ساد رأي أنّ إنجيل يوحنّا، بخلاف الأناجيل الأخرى، لا تسوغ قراءته أمام طالبي المعموديّة قبل عيد القيامة. فالغرف من هذا الإنجيل، الذي حسبه المفكّرون المسيحيّون الأوّلون أرفع الأناجيل مكانةً وأشدّها عمقاً، لا يستقيم ما لم يكن السامع قد نال المعموديّة، وانخرط بكلّ جوارحه في سرّ الإيمان المسيحيّ. ومن ثمّ، اقترنت قراءة إنجيل يوحنّا في الطقوسيّات بالزمن الفصحيّ، ما يفسّر ألّا يكون المقطع الإنجيليّ الذي يُقرأ في قدّاس الفصح نصّاً عن النساء اللواتي قصدن قبر يسوع الناصريّ ووجدنه فارغاً، بل عن المسيح كلمة الله، التي كانت في البدء مع الله (يمكن تعريب النصّ اليونانيّ الأصليّ بعبارة: في محاذاة الله)، ثمّ صارت إنساناً ونصبت لها خيمةً بين البشر.

بيد أنّ التفسير التاريخيّ الذي عرّجنا عليه لا يستنفد جدليّة العلاقة بين كينونة المسيح بوصفه كلمة الله وقيامته من بين الأموات في صفته إنساناً. فبالنسبة إلى الذين عاينوا المسيح حيّاً بعد موته وتلمّسوه وأكلوا معه، صارت قيامته السبيل إلى إدراكهم قوام العلاقة التي تربطه بالله، بحيث يمكن مؤلّف إنجيل يوحنّا أن يكتب أنّ الكلمة كان «عند الله» منذ البدء، وأنّه كان ملازماً إيّاه إبّان عمليّة الخلق، إذ نقرأ في كتاب المزامير: «بكلمة الربّ صُنعت السماوات، وبنسمة فيه كلّ جنودها». بعبارات أخرى، حدث القيامة يكشف متانة الأواصر التي تربط المسيح بالله، وذلك على قدر ما يكشف حضور الله الكثيف في شخص المسيح، الذي لم يشأ الله أن تنتهي حكايته بالموت. ومن ثمّ، فإنّ قيامة المسيح تختزن في ذاتها طاقةً ترميزيّةً هائلةً لكونها لا تشير إلى مدى التصاق المسيح بالله عبر سيرته وأقواله وأفعاله فحسب، بل تحيل أيضاً على كون هذا الالتصاق متأصّل في علاقة وثيقة سبقت ظهور المسيح على الأرض وبين الناس، وذلك من حيث كونه كلمة الله منذ البدء.

إنّ قيامة المسيح، التي يعيّد لها اليوم المسيحيّون الذين يتّبعون التقويم الشرقيّ، هي المدخل إلى الإيمان بالعلاقة الوطيدة التي تربط المسيح بالله، والتعبير الأبلغ عن سرّ كينونته وحضوره.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى