الهدنة كخدعة: كيف تستمر الحرب بعد أن تتوقف؟

    سالي علي

إنّ هدنة واشنطن وطهران لا تُنهي التصعيد، إنما تعيد توزيعه على جبهات أكثر هشاشة، حيث يتحول لبنان وسوريا إلى مساحات مفتوحة لحرب لا تُعلن..

قبل انتهاء المهلة بساعات، بدا أنّ المنطقة تتجه نحو لحظة فاصلة. اللغة التي استُخدمت لم تترك مجالاً كبيراً للتأويل، والسقف الذي رُفع أوحى بأنّ الضربة آتية لا محالة. ثم، في اللحظة الأخيرة، تراجع كل شيء خطوة إلى الخلف. لا حرب شاملة، ولا انفجار كبيراً، بل هدنة مؤقتة، كأنها فاصلة قصيرة في نص لم يُكتب بعد.

هذا التحول المفاجئ لا يمكن قراءته كتراجع بسيط. ما جرى أقرب إلى إعادة تعريف لشكل المواجهة نفسها. رفع السقف إلى أقصاه، ثم خفضه في اللحظة الأخيرة، ليس ارتباكاً بقدر ما هو أسلوب قائم بحد ذاته: الضغط إلى حافة الانفجار، من دون السقوط فيه.

فالسياسة الأميركية في هذه اللحظة تبدو وكأنها تراهن على هذا النوع من الردع. ليس ردعاً تقليدياً يقوم على توازن واضح، بل ردع يقوم على إدخال الخصم في حالة شك دائم؛ هل التهديد جدي بالكامل؟ أم أنّه جزء من لعبة تفاوض؟ هذه المنطقة الرمادية هي التي تُستخدم كسلاح.

في المقابل، لا تبدو إيران مستعجلة للرد بالشكل الذي يتوقعهُ خصومها. سلوكها أقرب إلى امتصاص الصدمة، وإعادة توزيعها على الزمن والجغرافيا. هي لا تدخل المواجهة حيث يُراد لها أن تدخل، بل تنقلها إلى أماكن أخرى، وبإيقاع مختلف. هذا النمط ليس جديداً لكنه يظهر هنا بأوضح صوره؛ تفادي الضربة الكبرى، مقابل إبقاء التوتر مفتوحاً.

بهذا المعنى، لا تدور المواجهة بين واشنطن وطهران في مكان واحد. فهي موزّعة، ومتنقلة، وتظهر حيث يمكن إنكارها أكثر مما تُعلن. هنا تحديداً، تدخل بلاد الشام إلى قلب الصورة.

في لبنان، الهدنة تبدو منذ بدايتها غير مكتملة. الجنوب يبقى مساحة قابلة للاشتعال في أيَّة لحظة، ليس لأن قرار الحرب يُتخذ هناك، بل لأن أي خلل في التوازن الإقليمي ينعكس عليه مباشرة. لا يحتاج الأمر إلى تصعيد كبير. حادث محدود، أو قراءة خاطئة، قد يكون كافياً لدفع الأمور إلى ما لا يمكن احتواؤه.

الفكرة التي رافقت تاريخ لبنان الحديث، باعتباره ساحة تتقاطع فيها صراعات الآخرين، لا تزال حاضرة بقوة. ما تغيّر هو حجم المخاطر المحيطة بهذه الساحة. في ظل هذا النوع من التوتر، تصبح الحدود أكثر هشاشة، وتصبح احتمالات الانفجار أعلى، حتى من دون نية مسبقة.

بينما في سوريا، المشهد يبدو أكثر تعقيداً. لا توجد جبهة واحدة يمكن تحديدها، بل شبكة من الاحتكاكات المتداخلة. ضربات إسرائيلية متكررة، حضور إيراني مستمر، وانتشار أميركي في نقاط حساسة. كل طرف يتحرك ضمنَ حساباتٍ دقيقة، لكنّ مجموع هذه التحركات ينتج وضعاً غير مستقر بطبيعته. لا حرب شاملة، لكنْ أيضاً لا سلام فعلياً أيضاً.

ما يلفت في هذا السياق أن إسرائيل لا تبدو مستعدة لمنح أيّ هدنة وقتاً كافياً لتتحول إلى استقرار. من وجهة نظرها، كل فترة هدوء تمنح خصمها فرصة لإعادة التموضع. لذلك تستمر الضربات، ولو ضمن سقف محسوب. هذا السلوك يضعف أي تفاهم، ويجعله أقرب إلى هدنة هشة منه إلى اتفاق فعلي.

بهذا الشكل، يتكوّن مشهد إقليمي يقوم على توازن دقيق ومؤقت في آن واحد. لا أحد يريد الحرب الشاملة، لكن كل الأطراف تقترب منها إلى حد خطير. المسافة بين الاحتواء والانفجار أصبحت قصيرة جداً، وربما أقصر مما تبدو عليه.

السيناريو الأكثر ترجيحاً في المرحلة المقبلة لا يشبه الحروب التقليدية. لا إعلان واضحاً، ولا لحظة بداية يمكن رصدها. بل مسار متدرج من التصعيد المحدود، يتخلله هدوء نسبي، ثم يعود ليرتفع من جديد. حرب منخفضة الشدة، لكنها واسعة الامتداد، وتدور على أكثر من جبهة في الوقت نفسه.

هناك دائماً احتمال أن يتحول هذا النمط إلى مواجهة أوسع. لبنان يبقى النقطة الأكثر حساسية في هذا السياق. أي انزلاق هناك قد يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي يصعب ضبطه. سوريا، بدورها، تبقى مساحة مفتوحة لكل الاحتمالات، بحكم موقعها وتشابك القوى داخلها.

أما الحديث عن تسوية شاملة، فيبدو بعيداً في الوقت الراهن. لأنّ الفجوة بين الأطراف لا تزال كبيرة، والثقة شبه معدومة. كل طرف يراهن على أن الضغط سيؤدي في النهاية إلى تنازل من الطرف الآخر، لا إلى تسوية متوازنة.

ما تكشفه هذه اللحظة هو أنّ التهديدات الكبرى لم تعد تعني بالضرورة حرباً كبرى. يمكن استخدامها كأداة ضغط، وكجزء من معركة نفسية وسياسية، من دون الوصول إلى نهايتها القصوى. لكن هذا لا يجعل الوضع أكثر أماناً. على العكس تماماً، هو يزيد من درجة عدم اليقين، ويجعلُ الخطأ أكثر كلفة.

في النهاية نستنتج أنّ ما حدث لم يُنهِ المواجهة، بل نقلها إلى مستوى أكثر تعقيداً. هدنة قصيرة، توتر طويل، واحتمالات مفتوحة. الحرب لم تعد حدثاً يقع مرة واحدة، بل حالة مستمرة، تتغير أشكالها وتتنقل بين الجبهات.

وأخطر ما في هذه المرحلة أن الانفجار، إن حصل، قد لا يأتي من حيث تتجه الأنظار، بل من نقطة تبدو هامشية. هناك، في تلك المساحات التي لا تحظى بالاهتمام الكافي، تُكتب غالباً بدايات الحروب.

المصدر: المدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى