
يشهد ملف الهجرة تحوُّلاً ملحوظاً نحو مقاربات تتجاوز الثنائية التقليدية المنحصرة بين الاستقرار الدائم والعودة النهائية، وفي هذا السياق تندرج التصريحات التي أشار فيها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى التعاون مع الحكومة الألمانية من خلال إطلاق برنامج يتيح للكفاءات السورية الإسهام في إعادة إعمار بلدهم مع الحفاظ على استقرارهم المهني والمعيشي في ألمانيا تحت مسمَّى الهجرة الدائرية. إذ تعكس هذه المقاربات تصوُّراً جديداً للهجرة، على اعتبارها عملية ديناميكية متعدِّدة الاتجاهات، تتأسَّس على تفاعل مستمر بين فضاءات جغرافية واقتصادية مختلفة، وتلبِّي حاجات الأفراد والدول على حدٍّ سواء.
تعدُّ الهجرة الدائرية إطاراً مرناً لإعادة توزيع المعرفة والخبرة ورأس المال البشري بين الدول، وهو ما يمنحها أهمية خاصة عند السوريين الذين تعرَّضوا لأكبر موجات النزوح في العصر الحديث، إذ اضطرَّ ملايين السوريين إلى إعادة تشكيل حياتهم داخل مجتمعات جديدة، واكتساب لغات متعددة، والانخراط في أسواق عمل مختلفة، وبناء مسارات مهنية لم تكن مطروحة سابقاً. ومع مرور الوقت أخذ وجودهم في تلك الدول طابعاً من الاستقرار النسبي، وهو واقع يفرض نفسه بقوة عند التفكير في مسارات إعادة الإعمار أو استعادة الكفاءات.
إنَّ تحويل هذا التصور إلى واقع عملي يتطلَّب أكثر من النيّات، فنجاح أيِّ برنامج للهجرة الدائرية في سوريا يعتمد على بناء ثقة حقيقية بين الدولة والمغتربين، وهي مسألة معقَّدة في ظلِّ التجربة التي مرَّ بها كثير من السوريين خلال سنوات الحرب..
تقدِّم الهجرة الدائرية رؤية مختلفة للعلاقة بين المهاجر ووطنه الأصلي، ذلك لأنَّه يمتلك من خلالها حرية التحرُّك بين خياري العودة أو البقاء، وفق ظروفه الشخصية والمهنية، لا سيما أنَّ معظم اللاجئين السوريين اكتسبوا خبرات نوعية في مجالات الطب والهندسة والتكنولوجيا والإدارة والتعليم، ضمن بيئات عمل تعتمد معايير متقدِّمة، الأمر الذي جعلهم يمتلكون رصيداً معرفياً يمكن أن يكون له أثر كبير في مرحلة إعادة البناء. غير أنَّ العودة الدائمة بالنسبة لهؤلاء لا يمكن أن تكون خياراً بسيطاً؛ لأنَّها ترتبط بجملة من العوامل المعقَّدة التي تشمل الأمان والاستقرار السياسي والفرص الاقتصادية وجودة الحياة، إضافة إلى ارتباط الأبناء بالمدارس والجامعات في دول اللجوء.
إلا أنَّ سوريا اليوم بحاجة ملحَّة لحلول مرنة تسهم في حلِّ مشكلاتها، فالبنية التحتية في كثير من المناطق تعرَّضت لدمار واسع، والقطاعات الحيوية تعاني نقصاً في الكوادر المؤهلة، كما أنَّ المؤسسات
تحتاج إلى تحديث في أساليب الإدارة والتخطيط، وهو ما يجعل الاستفادة من خبرات السوريين في الخارج أمراً ضرورياً. وهنا يمكن للهجرة الدائرية أن تلعب دوراً محورياً من خلال تنظيم مساهمات مؤقَّتة ومحدَّدة الأهداف، مثل المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، أو تقديم برامج تدريبية، أو نقل الخبرات التقنية، أو دعم إنشاء مؤسسات ناشئة، وهذا النوع من الانخراط يتيح الاستفادة من الطاقات البشرية من دون تحميل الأفراد مخاطر العودة الدائمة في بيئة لا تزال تواجه تحديات متعددة.
كما يكشف هذا الطرح عن بعد نفسي مهم في تجربة اللاجئين السوريين، حيث يعيش كثير منهم حالة مزدوجة من الانتماء، فهم من جهة اندمجوا بدرجات متفاوتة في مجتمعات جديدة وأصبح لهم حضور فعلي فيها، ومن جهة أخرى لا يزالون يحملون شعوراً عميقاً بالارتباط بسوريا، بما تمثِّله من ذاكرة وهوية وتجربة شخصية، وهذا التداخل بين الانتماءين قد يكون مصدر توتر في بعض الأحيان، لذلك فإنَّ الهجرة الدائرية تقدِّم مخرجاً أكثر توازناً؛ لأنَّها لا تفرض على الفرد التضحية بأحد الجانبين، ممَّا يعزز شعوره بالقدرة على الفعل من دون الوقوع في صراع داخلي بين الماضي والحاضر.
إنَّ تحويل هذا التصور إلى واقع عملي يتطلَّب أكثر من النيّات، فنجاح أيِّ برنامج للهجرة الدائرية في سوريا يعتمد على بناء ثقة حقيقية بين الدولة والمغتربين، وهي مسألة معقَّدة في ظلِّ التجربة التي مرَّ بها كثير من السوريين خلال سنوات الحرب، كما يتطلَّب الأمر وجود إطار قانوني واضح يحدِّد حقوق المشاركين والتزاماتهم، ويضمن حرية التنقُّل وعدم التعرُّض لمخاطر قانونية أو أمنية، إضافة إلى ضرورة تطوير بيئة مؤسسية قادرة على استيعاب هذه الكفاءات وتوظيفها بعيداً عن البيروقراطية أو الفساد أو سوء الإدارة، كما أنَّ التعاون مع الدول المستضيفة يعدُّ عنصراً أساسياً، حيث يجب أن تكون هذه البرامج متوافقة مع قوانين العمل والإقامة في تلك الدول، ممَّا يتيح للأفراد المشاركة من دون الإخلال باستقرارهم المهني كما يمكن للهجرة الدائرية أن تسهم في خلق دينامية جديدة تربط الاقتصاد السوري باقتصاد الدول التي اندمج فيها اللاجئون، فالسوري الذي يعمل في شركة تكنولوجية في أوروبا قد ينقل خبراته أو يفتح قنوات تعاون مع مؤسسات داخل سوريا.
إنَّ التفكير في الهجرة الدائرية يعكس تحوُّلاً من منطق الخسارة إلى منطق الاستفادة، حيث تصبح هجرة الكفاءات امتداداً لرأس المال البشري الوطني خارج الحدود السورية، وهذا الامتداد يمكن أن يتحوَّل إلى مصدر قوة إذا ما تمَّ تنظيمه وتوظيفه..
ورائد الأعمال الذي أسس مشروعاً ناجحاً في الخارج قد يسهم في إطلاق مشاريع مشابهة داخل بلده، وهذا النوع من التفاعل يمكن أن يسهم في إدخال معايير جديدة في الإنتاج والإدارة، وهو ما يجعل الهجرة الدائرية أداة تتجاوز بعدها الإنساني لتصبح عنصراً في استراتيجية تنموية أوسع.
إنَّ التفكير في الهجرة الدائرية يعكس تحوُّلاً من منطق الخسارة إلى منطق الاستفادة، حيث تصبح هجرة الكفاءات امتداداً لرأس المال البشري الوطني خارج الحدود السورية، وهذا الامتداد يمكن أن يتحوَّل إلى مصدر قوة إذا ما تمَّ تنظيمه وتوظيفه، خاصة في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى كلِّ مورد ممكن لإعادة البناء، وفي هذا الإطار، تصبح العلاقة بين الداخل والخارج علاقة تكامل، وذلك حين يسهم كلُّ طرف بما يمتلكه من إمكانات ضمن شبكة واحدة من التفاعل.
قد لا تقدِّم الهجرة الدائرية حلاً لجميع التعقيدات التي تعاني منها سوريا، لكنها يمكن أن تفتح أفقاً مختلفاً للتفكير في مستقبل العلاقة بين السوريين ووطنهم، فالسوريون الموزعون على جغرافيات متعدِّدة، يحملون تجارب متنوعة وخبرات مختلفة، وإذا ما تمَّ التعامل مع هذا الواقع بمرونة ورؤية استراتيجية، يصبح التنقل بين الداخل والخارج وسيلة لإعادة وصل ما انقطع، وتوظيف ما تراكم من معرفة وخبرة في خدمة مشروع نهوض يحتاج إلى كلِّ جهد ممكن.
المصدر: تلفزيون سوريا






