لماذا لا تترك زوجتك لأميركا؟

  محمد طلبة رضوان

فاتك الكثير إذا لم تكن قد شاهدت فيلم “الزوجة الثانية” (صلاح أبو سيف، 1967)، فهو من عيون الأدب السينمائي المصري. يبدأ الفيلم بجملة مكثّفة على لسان الراوي: “اتفرّج ع الدنيا”، وهو كذلك، هو الدنيا بما فيها ومَن فيها، ولعلّك بعد مشاهدة أو اثنتين تقع في غرام سعاد حسني، ويُبهرك أداء صلاح منصور، وتدهشك قدرات عبد المنعم إبراهيم في تصنيع “كوميديا رايقة”، لكنّك ستحتاج إلى مزيد من “الفرجة” لتكتشف الشخصية الأكثر تعقيداً في الرواية، “الشيخ مبروك”، شيخ البلد العاقل الحكيم القارئ المطلع، شيخ الدين، ورجل العمدة الأول، التي جسّدها حسن البارودي بإبداع بالغ، لا يمكنني أن أصفه بأنّه منقطع النظير، فالحقيقة أنّ ثمّة نظراء ومنافسين له في حيواتنا السياسية والاجتماعية، نقرأ لهم ونسمعهم ونشاهدهم كلّ يوم.
والحكاية أنّ عمدة القرية لا ينجب، ورأى أنّ العيب في زوجته، وقرّر أن يتزوّج أخرى، ولم تعجبه سوى زوجة أحد الفلّاحين الذين يخدمونه، فأمره بتطليقها مقابل ترقيته من خادم فقير إلى خادم غني (خولي)، اندهش الفلاح على بساطته، وتساءل في غضب: “أطلق مراتي؟ في شرع مين؟”، ليردّ العمدة: “في شرعي أنا”، وهنا يتدخّل الشيخ مبروك، وأوّل ما قاله الشيخ الحكيم للفلّاح الضعيف ليقنعه بترك زوجته للعمدة القوي: “اعقل يا بني”… ثم انتقل الشيخ من صوت العقل إلى صوت التهديد: “أنا هاقولهالك عشان أخلّص ضميري… إذا ما طلقتش… ولادك هيتيتموا…. أمك هتشحت… والعمدة هيتجوز فاطمة يعني هيتجوز فاطمة”. هكذا بدأ الشيخ بـ”العقلانية” التي تقدّم بها زوجتك للأقوى، لتحمي أولادك وأمّك ونفسك من الموت والفقر واليتم والتشرّد، وينصح بها الشيخ، لا خوفاً ولا طمعاً ولا خسّةً ولا نذالة ولا جبناً ولا ضعفاً، ولكن لـ”تخليص ضميره”. قبل أن يختم أيضاً بـ”العقلانية” قائلاً في حسم: “عقلك في راسك تعرف خلاصك”.
إذا كنت قد شاهدت الفيلم، فأنت تعرف بالتأكيد ما حدث، وإذا لم تكن قد شاهدته، فلن أخبرك، تشجيعاً لك على مشاهدة الفيلم عشر مرّات على الأقلّ (واتفرج ع الدنيا)، لكن السؤال قبل المشاهدة وفي أثنائها وبعدها: كم “شيخ مبروك” قابلت في حياتك؟ كم شيخاً “واقعياً” شاهدته في الشاشات؟ في “يوتيوب”؟ في مواقع التواصل الاجتماعي؟ كم مبروكاً “عقلانياً” في السياسة وفي الدين وفي الفنّ وفي العلم؟ كم مرّة كان عليك تقديم زوجتك لغيرك درءاً للمفسدة أو جلباً للمصلحة أو ارتكاباً لأخفّ الضررين أو حفاظاً على الحياة والأمان وذهاب الأولاد إلى المدرسة والفسح ومواسم الترفيه؟
حين تشاهد الفيلم ستكتشف أنّ الشيخ مبروك ليس شرّيراً بالكلّية، بالعكس، في طباعه رقّة وطيبة وحبّ للدين ولأولياء الله الصالحين، “غلبان”، كما قال عن نفسه، لكنّه “واقعي” أورثته تجاربه أنّ القوة هي كلّ شيء، ولذلك يحاول إنقاذ الفلاح المصري البسيط من المصائب التي ستجرّها عليه كرامته، ستشاهد “الشيخ مبروك” وهو ينصح الفلاح بصدق: أنا مش حذّرتك؟ أديك قلت للمركز (الشرطة)، خد بكلامك؟ ما تعصلجش يا أبو العلا (لا تعاند)… انطاع يا بني (يأمره بالطاعة)… ده احنا غلابة… والله… لما ندن على مدنة (نؤذّن على مئذنة) ما حد يسمعنا… الأكابر بس همّا اللي بيتسمع كلامهم… هما اللي يأمروا واحنا اللي ننفذ… (حتى رب العالمين لا يستطيع أن يؤثّر في نتنياهو) ثم حاول الشيخ أن يدلّل على أنّ الانصياع للأقوى من طبائع الدنيا والدين معاً، فختم بقوله تعالى: “وأطيعوا الله وأطيعوا…”، وقبل أن يكمل الآية الكريمة قاطعه الفلّاح الأمّي: “يا رجل يا كافر يا عديم الدين”.
نعم يا صديقي: أميركا هي الأقوى، وهي قادرة على محونا، أو إعادتنا إلى “العصر الحجري” كما يقول “العمدة البرتقالي”، فإذا كان اختيارك واقعية “الشيخ مبروك”، فاختيارنا هو مقاومة ذاك الفلّاح المصري، أو كما قال الراوي في نهاية الفيلم: “دنيا وفيها كلّ شي/ وكلّ من جاها مشي”.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى