
منذ دخوله البيت الأبيض يمارس الرئيس الأميركي دونالد ترامب سياسة تخريب اقتصادي واسعة النطاق قد تصل إلى حد التعمد في بعض الملفات والقضايا، تخريب أربك الأسواق وعمق خسائرها وتقلباتها، وأصاب الحلفاء قبل الخصوم والأعداء، تخريب لا يقتصر على الاقتصاد العالمي ومحاولة تركيع الصين اقتصادياً وتجارياً، والضغط على الاقتصاد الروسي ومحاولة تجفيف مصادر تمويل الحرب على أوكرانيا، لكنه يمتد أيضاً إلى الاقتصاد الأميركي الذي بات يئن تحت حكم ترامب الذي فشل في خفض كلفة الإنتاج، وإيجاد حل لأخطر أزمة تواجه الولايات المتحدة، وهي تفاقم الدين العام الذي يقترب من 39 تريليون دولار، ووقف نزيف الأعباء المستحقة عليه والتي تصل إلى تريليون دولار سنوياً، كما فشل في وقف الغلاء وخفض أسعار السلع الرئيسية، ومنها الأغذية والبنزين ومشتقات الوقود والأدوية كما وعد مرات.
والمتتبع لسلوك الرجل يلحظ أنه يجمع ترامب بين دور الشرطي والبلطجي وزعيم العصابة، لذا شن حرباً عسكرية على إيران أدت إلى نتائج كارثية لأسواق الطاقة والمال والمعادن العالمية، وإغلاق مضيق هرمز، وحدوث ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار السلع الرئيسية.
المتتبع لسلوك ترامب يلحظ أنه يجمع بين دور الشرطي والبلطجي، لذا شن حرباً على إيران أدت إلى نتائج كارثية لأسواق الطاقة والمال والمعادن العالمية، وإغلاق مضيق هرمز
وعندما قفزت أسعار النفط والغاز وصرخت الدول الكبرى المستهلكة للوقود وفي مقدمتها أوروبا وشرق آسيا، وفشلت القوات الأميركية في إعادة فتح مضيق هرمز الحيوي شريان الطاقة العالمي، خرج علينا ترامب مهدداً بسحق إيران وبجحيم لا يطاق لأهلها وإعادتها إلى العصر الحجري، وعندما فشلت تهديداته ألقى الكرة في ملعب الدول الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا قائلاً لهم: “اذهبوا إلى مضيق هرمز بأنفسكم، لن نساعدكم بعد اليوم”.
وشن ترامب حرباً تجارية شرسة على كل دول العالم عبر سلاح الرسوم الجمركية، تبعتها حروب اقتصادية وتكنولوجية وعملات، وهو ما ترتب عليه دخول الولايات المتحدة في حالة عداء شديد مع الجميع بمن فيهم شركاؤه التجاريون مثل الاتحاد الأوروبي وكندا والهند والمكسيك. عداء لم تكسب منه الموازنة الأميركية إيرادات ضخمة كما روج ساكن البيت الأبيض، بل ألحق ضرراً كبيراُ بالمستهلك والمنتج والمستثمر الأميركي الذي بات يعاني من غلاء في كل شئ.
قبل سنوات قاد ترامب حرباً اقتصادية شرسة ضد الاقتصاد التركي في محاولة لتركيعه وإفشاله وعملته الليرة، والآن يقود عدة حروب مماثلة ضد دول أخرى بهدف ابتزازها مالياً، والآن يروج لإخفاقاته الاقتصادية على أنها إنجاز تاريخي غير مسبوق ويطلب من الجميع تصديق مزاعمه.
ببساطة، هو يحارب الجميع وبلا هوادة، ويمارس سياسة البلطجة الاقتصادية والسياسية على نطاق واسع، إذ سطا على نفط فنزويلا وثروات أوكرانيا النادرة، ويقاتل للسطو على نفط إيران ويهدد ثروات ومعادن أفريقيا النادرة، وبعدها ربما يلتهم جزيرة غرينلاند وكوبا وبنما، ولو استطاع السطو على ثروات دول الخليج والعراق وليبيا والجزائر وغيرها من الدول النفطية لفعل وما تردد لحظة.
داس على كل القيم والأعراف الاقتصادية التي عرفها العالم على مدى نصف قرن وتغنت الولايات المتحدة وتفاخرت بها، ومنها استقلالية البنك الاحتياطي الفيدرالي وحرية التجارة وتضارب المصالح واحترام ثروات الشعوب ومقاومة القرصنة بكل أشكالها.
صار العالم على بعد خطوات من سنوات عجاف يشهد فيها موجة تضخم وقفزات في أسعار كل شيء بداية من الغذاء والوقود ونهاية بالمعادن والسلع والخدمات وتكلفة الأموال والإنتاج
والنتيجة النهائية أن الاقتصاد العالمي بات في حالة ضعف شديد تحت حكم ترامب، وبعد أن كان العالم يترقب نمواً اقتصادياً وطفرة في معدلات التوظيف وتحسن فرص العمل وانحساراً في معدل التضخم، صار على بعد خطوات من سنوات عجاف يشهد فيها موجة تضخم وقفزات في أسعار كل شيء بداية من الغذاء والوقود ونهاية بالمواد الخام والمعادن والسلع والخدمات وتكلفة الأموال والإنتاج.
كما يشهد العالم عودة لسياسات مواجهة التضخم عبر رفع سعر الفائدة والتشدد النقدي وسحب السيولة من الأسواق، وهي السياسات التي لازمت الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة بسبب جائحة كورونا وحرب أوكرانيا وموجة التضخم وتعقد سلاسل التوريد العالمية.
هذه البلطجة والفشل الذريع لسياسات ترامب سيكلفان الولايات المتحدة سمعتها وقوتها الناعمة ويزيدان عزلتها الدولية، خاصة في ظل الحرب الحالية، وربما تعجل بفقدانها قيادة الاقتصاد العالمي، ومعها تعرض الدولار لهزة عنيفة تزيد نفور البنوك المركزية منه، وترفع منسوب خطره وكلفته لدى الحكومات وأصحاب الأموال.
ترامب شؤم على الجميع بمن فيهم أميركا، والعالم بات يعيش حالة تيه اقتصادي وخراب واسع وجفاف مالي وتضخم جامح وأزمات معيشية في ظل زيادة غير مسبوقة في حالات الغموض واللايقين والمخاطر بكل أنوعها وتهديدات الولايات المتحدة المتلاحقة للدول، والمطلوب نزع السكين من يد البلطجي ترامب.
المصدر: العربي الجديد






