خرائط الألم السوري وبوصلة الوعي

محمد برو

يقول الفيلسوف اليوناني هيرقليطس (535-475 ق.م): إن الحرب هي أصل كل شيء؛ فهي ليست مجرد صراعات مسلحة بل هي عبارة عن موجات زلزالية وأعاصير تعيد تشكيل تضاريس الوعي الإنساني. في العقدين الأخيرين عشنا جميعاً كيف صدّرت لنا وسائل الإعلام والمنصات الرقمية وبشكل متكرر أسماء مدن ومناطق وقرى لم نكن نسمع عنها من قبل؛ فعلى صعيد الجغرافيا السورية استطاعت التغطيات الإعلامية الرسمية والاحترافية، وأكثر منها تلك التي قام بها ناشطون محليون ومواطنون صحفيون، أن يعمقوا ويوسعوا معرفتنا بمدن ومناطق وقرى سورية لم يكن الشطر الأكبر منا كسوريين يعرف عنها إلا النذر اليسير، وربما تعرفنا من خلال هذه التغطيات على مناطق لم نكن نعرف أسماءها أصلاً. هذا على النطاق المحلي، فكيف بنا على النطاق الأوسع؟ قبل الحرب الروسية الأوكرانية الأخيرة لم يكن معظمنا قد سمع بـ (ماريوبول، وباخموت، وأفدييفكا، وسوليدار، وخيرسون، وفولنوفاخا، ومارينكا). معظم هذه المدن والبلدات أصبحت أثراً بعد عين، ولم يكن لنا أن نسمع بأسمائها لولا تلك الحرب التي لم تتوقف حتى الآن.

لا تقتصر تلك المعرفة على أسماء تلك المدن والمناطق، بل تتعداها إلى معرفة مصورة عبر آلاف الفيديوهات ونشرات الأخبار والتقارير التي تحكي حياة الناس في تلك الأماكن وتاريخهم وما آلت إليه أحوالهم بفعل تلك الحرب، الأمر الذي يخلق اتصالاً ثقافيا ومعرفيا وبصريا وعاطفياً مع تلك المناطق المنكوبة. على سبيل المثال يعرف الشطر الأكبر من السوريين مدينة درعا وداريا ودوما وعين العرب ودير الزور والرقة، لكن معرفتنا بهم اليوم باتت أكثر شمولاً وألصق تأثيراً؛ جميع ذلك كان بسبب النكبات التي عاشتها تلك البلدات على سبيل المثال ومدى التعاطف الإنساني والطبيعي الذي عشناه تجاهها.

لا يتوقف الأمر عند المعرفة الذهنية أو العقلية بل تعداها للمعرفة الاجتماعية والنفسية بفعل الهجرات المتكررة التي نقلت أعداداً كبيرة من هذه المدن إلى مدن أكثر أمناً، فبتنا نجد في مدينة مثل طرطوس ودمشق وإدلب أسراً نازحة من شتى المدن والبلدات السورية، وهذا ما أعاد تشكيل النسيج الاجتماعي على نحو فرضه واقع الحرب والدمار المستشري، وعززه بتعاطف متبادل بين الجميع، فالعدو القاتل مشترك والموقف منه في الغالب متفق عليه، والسرديات والمخاوف واحدة. هذا الوضع الاستثنائي أنتج تآلفاً وتبادلاً عفوياً في الخبرات والعادات الاجتماعية والأذواق وتنوع المطابخ واللهجات؛ فبفضل المواطن الصحفي الذي كان مصدراً مهماً من مصادر توثيق الوقائع خلال سني الثورة، بتنا نألف لهجة الشمال السوري بتنوعه، واللهجة الحلبية والدمشقية ولهجة أبناء السويداء وسهل حوران ودرعا وغيرها كثير، ولم يعد اختلاف اللهجات عائقاً أمام متابعة المؤثرين والموثقين.

اليوم باتت مدن لم تنل حظها سابقاً من الشهرة مثل داريا والغوطة وجسر الشغور ونبل والزهراء معروفة لمن يتابع الشأن السوري الذي طغى في فترات طويلة على أي أخبار عالمية بسبب فظاعة الحرب الدائرة على الشعب السوري.

كما أن مدناً بعينها صارت معروفة دولياً، ومعظمنا يذكر أنه في سنوات الدراسة في الغرب حين يُسأل مواطن دولة أوروبية عن بلد صديقه السوري فإنه في الكثير من الحالات لم يكن يعرف أين تقع سوريا إلا بدلالة مجاورتها لإسرائيل. اليوم باتت مدن لم تنل حظها سابقاً من الشهرة مثل داريا والغوطة وجسر الشغور ونبل والزهراء معروفة لمن يتابع الشأن السوري الذي طغى في فترات طويلة على أي أخبار عالمية بسبب فظاعة الحرب الدائرة على الشعب السوري.

حين نشر دان براون روايته الأشهر (شيفرة دافنشي) عام 2003، وكانت أحداث الرواية تجري في مناطق معروفة بدءاً من متحف اللوفر وكنيسة المعبد وكنيسة سانت سولبيس في باريس، مروراً بكنيسة روسلن في إسكتلندا، تضاعف الاهتمام بزيارة تلك المواقع على المستوى الأوربي في الدرجة الأولى، وقد ذكرت مواقع الرصد أن عدد الزوار قفز من 38 ألف زائر سنوياً قبل صدور الرواية إلى قرابة 176 ألف زائر بعد صدور الفيلم المقتبس عنها في 2006. والمدهش أن نصف الزائرين عام 2024 تقريباً كان السبب الرئيسي لزيارتهم تلك اطلاعهم على الرواية أو الفيلم المقتبس عنها. واللافت للنظر أن السحر والخيال الروائي وشيوع الحكايات كثيراً ما يظهر له الأثر الذي يتخطى تأثير الحقائق التاريخية الموثقة؛ هذا ما لمسناه لدى آلاف الزائرين لسوريا بعد سقوط نظام الأسد وأنا واحد منهم، فمعظمنا بعد زيارتنا لمدننا الأم لم ندخر جهداً في زيارة مدن وبلدات وقرى اشتهرت بأحداثها خلال السنوات الماضية زمن الثورة، وصارت أحياء مثل الأشرفية والشيخ مقصود تحظى بأعداد كبيرة من الزائرين بسبب الأحداث التي وقعت مؤخراً في هذين الحيين.

خلاصة القول أن الآثار الفجائعية التي مُنينا بها كسوريين خلال الأربع عشرة سنة الماضية كانت لها بعض النتائج التي يمكن دراستها وتوظيفها والإفادة منها، ولم يعد ابن مدينة الطبقة الفراتية يجد الوافد إليه من بصرى الشام أو من غوطة دمشق وافداً غريباً، فهو متصل به عبر آلاف الحكايات والمخيمات والفيديوهات والتقارير التي عرَّفت به وحكت عنه تلك القصص الطويلة من الصبر والقهر والحرمان والصمود والبطولة؛ جميع هذا سيكون عاملاً معززاً لتمتين الهوية الوطنية السورية، وخلق سرديات متماثلة ومحفوظة في الوجدان السوري، وسينشئ ذاكرة جمعية تتحدى التزييف وعوامل النسيان، وسينعكس هذا كله في الأعمال الروائية والإنتاج الدرامي والفني، وسنشهد طفرة في تلك الأعمال التي كانت مأسورة بمركزية المدن الرئيسية لتحكي قصص المدن المهمشة والمنسية والتي لم تنل حظها من الشهرة في السنوات التي سبقت الثورة.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى