النخب العربية والوعي المنشود

د- عبد الناصر سكرية

استطاعت القوى الإقليمية والمحلية والدولية صاحبة مشروع تفكيك المجتمعات العربية انتزاع غلاف الهوية الوطنية – العروبية الموحدة وقذف الجميع – نعم الجميع -، في فضاء العصبيات المذهبية والطائفية والعرقية، فراحوا يتقاذفون التهم ويؤججون العصبيات الفتنوية- التقسيمية.

وقع الجميع في الكمين المحكم: اعتماد منطق الانتماءات التقسيمية التعصبية المغلقة منطلقًا لتقييم الأمور والحوادث والأمور والأشخاص أيضًا، ثم لاتخاذ المواقف التعصبية التحريضية على أساسها.

بات كل حديث يتمحور حول الهويات التقسيمية وما يتبعها ويلتحق بها من عصبيات قاتلة مدمرة. في السياسة كما في الاجتماع. حتى التاريخ صار يحلل ويشرح ويفسر انطلاقًا من تلك الهويات. فصار الحديث الشائع عن فلان السني وفلان الشيعي. فلان المسلم وفلان المسيحي.. ماذا فعل الشيعة قبل خمسة قرون. وماذا فعل السنة والموارنة والدروز ووو…. وكأنه لم يكن هناك شعب ولا وطن ولا هوية ولا انتماء. حتى الفكر والفلسفة والحضارة والثقافة: فصارت فلسفة شيعية وفلسفة سنية. عقيدة كذا وعقيدة فلان.

الجميع يُسقط من التاريخ حضارة عربية عظيمة جامعة. ويسقط نضالات وثورات شعبية ضد الظلم والقهر والاحتلال. أسقطوا التاريخ ذاته ليحولوه إلى شذرات فتنوية ليس لها أساس إلا الحقد والعداء.. أسقطوا – فيما أسقطوا – آخر قرنين من عمر التاريخ حيث الحركات الشعبية التحررية كانت مثالًا في الالتزام بالهوية الجامعة والانتماء الشامل. من أول ثورات الجزائر ضد استعمار فرنسا حتى قيامة الشعب العربي التحررية الوحدوية التقدمية في خمسينات وستينات القرن العشرين يوم أن كان للأمة رؤية ومشروع وبرنامج وقيادة تاريخية عظيمة. مرورًا بكل المواجهات الشعبية مع مشاريع التقسيم الطائفية والعرقية الاستعمارية فرنسية كانت أو بريطانية إنجليزية وأميركية.

تمكنت تلك القوى – المحلية والإقليمية والعالمية – منا وعيًا وفكرًا وممارسة فبتنا لا نعرف حقيقة من نحن وماذا نريد ولماذا وصلنا إلى هذا ومن أوصلنا إليه وكيف تم له ذلك.

اليوم سقطت عقولنا في قمامة العصبيات الفتنوية.. تمزق غلاف انتمائنا وتناثرت هويتنا تحت طعنات الإعلام والغزو الفكري والثقافي وإغراءات المصالح والمنافع والمكاسب وتحدي الأدوات وابتزاز الأجهزة وقهر ذوي السلطة والسلطان.

في هذه الأجواء المشحونة بالبغضاء والتفاضل الكاذب الموهوم بين أبناء المجتمع الواحد، تباعدت نفوس كثيرة وراكمت كمّا من البغضاء والتوتر والقلق ما يكفي لتقبل أية صدامات حتى ولو كانت عسكرية دموية قاتلة.

وكما برع نظام سايكس -بيكو الاستعماري في تحويل الحدود الوهمية إلى فواصل جغرافية وحتميات محلية حياتية وحساسيات متبادلة ومصالح متناقضة وولاءات موزعة على كل أنواع النفوذ الأجنبي.

ها هي تبرع أدوات العصبيات الفتنوية جميعًا في ترجمة الانقسام إلى وقائع وبلورة المشاعر الدينية في تكاره نفسي وتباغض معيشي.

ثم ماذا بعد؟؟

في هكذا أجواء تبدو بلادنا على أبواب مرحلة انتقالية تدخل فيها منهج التدمير الذاتي بما تملك من: مشاعر متناقضة وهويات ناقصة وأدوات محرضة وقوة غامضة جاهلة غاشمة. نعم نهج لن يؤدي إلا إلى التدمير الذاتي؛ والذي إن حصل فإن آثاره التخريبية لن تستمر أقل من قرن كامل تولد فيه أجيال وتموت أجيال وتموت معها أفكار وآمال وأحلام.

هنا ونحن في بدايات هذه المرحلة الانتقالية؛ يمكننا الفعل والمجابهة والإنجاز، إذا ما أردنا فقررنا فتوحدنا فواجهنا الوقائع المخربة والقوى القاصدة والمشاريع النقيضة.

فإذا ما قطعت مشاريع العصبيات الفتنوية بعد شوطًا آخر؛ تمكنت منا ومن واقعنا فلا يعود بالمقدور إزالة مفاعيلها ومحاصرة آثارها.

وحدة القوة العربية، أو تكاملها ولو حتى مرحليًا؛ أصبح مهمة الحفاظ على الوجود العربي ولم تعد خيارًا فكريًا أو نهجًا ثقافيًا أو دعوة مثالية.

من بديهيات الحياة الإنسانية أن يلتقي المهددون بوجودهم أصحاب المصلحة الواحدة في حماية أنفسهم؛ أن يتعاونوا فيتكاتفوا فيواجهوا فينتصروا.. وإلا فإنهم جميعًا مهزومون بعد أن أصبحوا منهزمين في مواجهة الواقع وتحمل مسؤولياتها معه ومع من يعمل لتكريسه مستفيدًا منه مستثمرًا نتائجه في مزيد من القهر والظلم والاحتلال ونهب المقدرات وسلب الإرادة والمزيد من الضعف والهوان.

اليوم مطلوب من النخب الواعية تحمل مسؤولياتها في الشرح والتحليل والتحذير والتنبيه من الأخطار والحض على التعاون والتكاتف ونشر وعي جديد توحيدي بديل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى