
ستنتهي الحرب في نهاية المطاف، لكن ما بعدها لن يكون كما قبلها، خصوصاً بالنسبة إلى دول الخليج العربي، فهي ليست حربها، بل عليها، كما سيتكشّف بعد أن تضع هذه الحرب أوزارها. وتُعتبر دول الخليج نادياً للأثرياء في المنطقة، وهذا توصيفٌ تقني إن شئت، ما جعلها مطمعاً لكلّ مغامر أهوج، ومنهم إيران، لكن الحرب ربّما قدّمت لها الدرس الذهبي، وهو يعود إلى الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى، والرَجل حكيم، وحكمته غلبت شعريته.
في معلّقته الشهيرة، ثمّة شطرٌ يقول فيه: “ومن لم يذُد عن حوضه بسلاحه يُهَدَّم”، وتكملته: “ومن لا يظلم الناس يُظلم”، ما يعني أن الشاعر الثمانيني آنذاك توصّل إلى خلاصاتٍ قاسية، منها أن قانون القوّة أو قانون الغاب هو الذي يحكم، ما ألجأه إلى التطرّف ربما في تبرير ظلم الآخرين، فالأهم لديه إعلاء شأن القوّة والدفاع عن النفس (بالهجوم)، وإلا فالهلاك.
ليس صحيحاً أن دول الخليج ضعيفة، فهي تدافع عن أراضيها وأجوائها ومواطنيها وسكّانها باقتدارٍ كبيرٍ منذ بدأت “الجارة” إيران تُمطرها بالصواريخ والمسيّرات، كما أنه ليس صحيحاً أنها لا تعرف ما يُدبَّر لها، فلديها نُخبٌ من بين الأفضل في المنطقة، كما أنّها على تواصلٍ مع أفضل مراكز البحوث في العالم. لكن حيازة القوّة والمعرفة لا تكفي في الأزمات الكُبرى، ما يوجب بلورة “عقيدة” تقوم على العدوان، لا على الدفاع فحسب. وليس المقصود هنا تحريضها على الهجوم، بل تبنّي عقيدة تتجاوز الدفاع، وتجعلها جاهزةً للهجوم فالانتصار، في حال تعرّضت لخطر وجودي.
وفي ربط الراهن السياسي بالإنشاء الشعري لأبي سُلمى، يمكن تفهّم قوله: “ومن لا يظلم الناس يُظلم”، أمّا لماذا؟ فلأنه خَبِر الحرب: “فما الحربُ إلا ما علمتم وذقتم”، وعرف طبيعتها القائمة لا على الغلبة وحسب، بل على العدوان والإفناء أيضاً، والحال هذه عليك أن تنتصر لتنجو حتى لو ظلمت الآخرين.
هل هي دعوة إلى هذه الدول إلى المشاركة في الحرب على إيران؟ لا، قولاً واحداً، فهذا هدفٌ عزيزٌ للولايات المتحدة وإسرائيل وإيران معاً، أي تحويل الحرب الحالية إلى حرب إقليمية بين طهران ودول الخليج، ما يمنح الأطراف المتحاربة الآن الفرصة لتحويل الحرب بينهم إلى معارك صغيرة بين الجيران. بل هي دعوة إلى دفع إيران أو سواها إلى التفكير في المستقبل ألف مرّة قبل المغامرة بالهجوم على دول الخليج، وهي مطمئنة إلى أن ردّها سيظلّ دفاعياً.
ليست جريمة أن تكون دول الخليج ثرية، فهناك دول عديدة في المنطقة تحوز ثروات نفطية وطبيعية ضخمة لكنّها فقيرة. فثروات ليبيا والعراق، على سبيل المثال، تؤهّلهما ليكونا من أثرى دول المنطقة، لكنّها ثروات أُهدرت على نحو مؤسف، وهو ما لم تفعله دول الخليج التي أنتجت نموذجها في التعامل مع فائض الثروة، ثم هذّبته. ولا يعني هذا أنها مثالية، فثمّة مشكلات بنيوية ما زالت تعاني منها هذه الدول، قليلة العدد في عمومها، تتعلّق بمجتمعاتها وهُويّتها وعلاقتها بالعالم والجوار “الفقير” في عمومه، لكنّها رغم ذلك تظلّ من النماذج النادرة والناجحة في المنطقة.
ولا تقتضي العقيدة الهجومية، بالمناسبة، التقوقع والانغلاق والمبالغة في تطبيق قوانين المواطنة، فهذه ميكانزمات دفاعية بدائية وفاشلة، تؤكّد أنك في حالة دفاعٍ سالبٍ عن النفس، بل تقتضي الانتقال إلى الدفاع الإيجابي، بتحديث المجتمع والإصرار على تعدّديته بما يستجيب لحداثة الدولة ويواكبها، الأمر الذي لا يتحقّق إلا بجعلها وطناً لكلّ ساكنيها، أو على الأقلّ من وُلد فيها، ما يعزّز هُويّة هذه المجتمعات، ويغنيها ولا يهدّدها، كما يظنّ كثيرون للأسف، ممّن يرهنون المواطنة بالمكاسب، لا بالدوافع ومعنى الوجود نفسه.
لا تنتظر نُخب تلك الدول نصيحةً من أحد، لكن تغيير العقيدة يقتضي تغييراً في البنية المجتمعية لصالح الأوطان والدول، لا الأفراد وحسب. وجاء تعرّض هذه الدول للعدوان من دون مبرّر ليؤكّد مجدّداً أن سكّانها من غير مواطنيها يدينون بالولاء لها في الشدائد، وأنهم جزءٌ أساس منها، ويشكّلون “ذخيرةً” تستحقّ الاستثمار فيها بما يمنحها دوراً أكبر في المواطنة والحقوق، فالدول ليست مجرّد شركاتٍ تحقّق عوائد مالية ضخمة لمالكي أسهمها ومؤسّسيها وحسب، وهو ما أظنّ أن بعض دول الخليج ستتجه إليه في مقبل الأيام.
المصدر: العربي الجديد





