
ليس في حوزة المقدسيين أي سلاح ناري، ولكن لديهم سلاح أقوى من النار: الصلاة.
تابعنا احتجاج المقدسيين، وكان منهم مسيحيون، في صيف 2017، عندما حاول المحتلّ الإسرائيلي وضع أجهزة كشف المعادن للمصلّين المتوجّهين إلى المسجد الأقصى المبارك. ولنحو أسبوعين، قاوم سكّان القدس، بعملية سلمية بسيطة، وشجاعة في الوقت نفسه. تجنّبوا دخول المسجد طوعاً، وبدلاً من هذا اصطفوا وأدّوا عبادتهم خارجه، بدلاً من شرعنة الأبواب الحديدية. وبعد 12 يوماً، تنازل الإسرائيليون وسحبوا تلك الأبواب.
نواجه هذه الأيام ظاهرة مشابهة. فمنذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران (28 فبراير/ شباط الماضي الموافق 15 رمضان)، أغلق جنود الاحتلال بوابات المسجد الأقصى بقوة السلاح، ومنعوا أي أحدٍ من دخول منطقة مساحتها 144 دونماً، تضم مساجد ومتحف وزوايا متعدّدة ومناطق مفتوحة.
منع الصلاة في “الأقصى” لم يتبعه، كما كان في فترة “كورونا”، منع أي تجمّع داخل الأسوار أو خارجها، فالمساجد ودور العبادة كافّة سُمح بالصلاة والتجمّع فيها. وحتى في إسرائيل، سمحت الحكومة لأي تجمّع لا يزيد على 50 شخصاً. كما منع الاحتلال الفلسطينيين، على اختلاف أصولهم وأديانهم، من دخول البلدة القديمة، إلّا لمن يثبت أنّ مكان إقامته داخل الأسوار. شكّل هذا الأمر ضرراً دينياً ونفسياً وعائلياً واجتماعياً واقتصادياً. والمكوّن المسيحي أيضاً تضرّر، إذ مُنعت المدارس المسيحية من إقامة النشاطات المدرسية، ومُنع الرهبان والراهبات من المسيرات الدينية إلى محطات طريق الآلام في القدس وغيرها من الخدمات الروحية، رغم السماح للكنائس في بيت حنينا وغيرها بالاستمرار في خدمات العبادة.
كانت ردّة فعل المقدسيين سلمية. ففي أوقات الصلاة، تجمّع المصلّون أمام أسوار القدس، وخارج بابي العامود والساهرة، وفي شارعي صلاح الدين ونابلس، وأدّوا شعائرهم الدينية، رغم محاولات القمع الاحتلالي. واستمرّت الصلوات العلنية في الشوارع صباح يوم عيد الفطر، وشكّلت معضلة للمحتلّ، الذي، رغم بعض محاولات إيقافها وقمع المشاركين، خصوصاً من فئة الشباب، لم تكن لديه القدرة على إيقاف الأعمال السلمية كافّة المتمثّلة في شعائر الصلاة العلنية.
نجح المقدسيون في التغلّب على الخلافات التي تواجه الحركة الوطنية، فوُضعت أهدافٌ مرحلية منطقية، وهي تتمثّل حالياً في حقّ الوصول إلى البلدة القديمة، والصلاة في “الأقصى” وفي كنيسة القيامة
معروف أن النضال اللاعنفي، أو ما يسمّى أحياناً المقاومة الشعبية السلمية، يُعدّ من أهم أشكال النضال، وقد يكون أصعبها من ناحية ما يتطلّبه من صبر وشجاعة وصمود، فالمؤمن بالكفاح السلمي يعرف جيّداً أن الطرف الآخر لن يردّ سلمياً، ولكن الفرق أن الثمن السياسي والإعلامي لقمع مصلّين يطالبون بحقّ مكفول دولياً، حرية العبادة، أكبر بكثير من الثمن الذي يدفعه عندما يردّ المحتلّ على مقاومة عنيفة، إذ يبرّر أعماله بأنها دفاع عن النفس.
لقد جرّب الشعب الفلسطيني (ولا يزال) عبر العقود الماضية أشكالاً متعدّدة من الكفاح السلمي. ففي 1936، أضرب الشعب الفلسطيني ستّة أشهر، نتج من إضرابهم ذاك “الكتاب الأبيض” الصادر عن الانتداب البريطاني، وحاول ضبط تدفّق الهجرة اليهودية إلى فلسطين. وقد كان ممكناً الحصول على إنجازات أكثر بكثير، لولا الخلافات الداخلية الفلسطينية آنذاك. وفي أواسط الثمانينيّات، تفجّرت الانتفاضة الأولى التي نادت بفكّ الاعتماد الاقتصادي مع المحتلّ، وبتكريس أساليب النضال غير العنيف، وأنتجت مؤتمر السلام في مدريد واتفاقات أوسلو، إلا أن بعضهم نفّذ عمليات تفجير انتحارية ضدّ مدنيين إسرائيليين، فكانت الحجة للإسرائيليين للخروج من التزاماتهم. ثم جاءت الانتفاضة الثانية، الأكثر عنفاً، ولا نزال نحصد أضرارها.
والآن، ومع أحداث “7 أكتوبر” (2023)، وصمود الشعب الفلسطيني في غزّة والضفة الغربية، ارتفع رصيد التأييد العالمي للقضية الفلسطينية، ولكن للأسف، ما حدث بعد إضراب عام 1936 يتكرّر. فرغم الدعم والتضامن الدولي مع قضية فلسطين، لا نزال غير قادرين على ترجمتهما نتائج سياسية ملموسة تنهي الاحتلال، وتجسّد الدولة الفلسطينية المستقلّة، بسبب الخلافات الداخلية والتمسّك بالسلطة، سواء في غزّة أو في الضفة.
ونجح المقدسيون في التغلّب على الخلافات التي تواجه الحركة الوطنية، فوُضعت أهدافٌ مرحلية منطقية، وهي تتمثّل حالياً في حقّ الوصول إلى البلدة القديمة، والصلاة في “الأقصى” وفي كنيسة القيامة. وإذا استمرّ المقدسيون في كفاحهم غير العنيف، وعدم التورّط في أي عمل عسكري، فالنتيجة لا بدّ من أن تتحقّق، وكلّنا أمل في هذا. وربّما تكون هذه شرارة تدفع القيادات الوطنية والإسلامية إلى الاستفادة من تجارب المقدسيين، ووضع خلافاتهم الداخلية جانباً، والتركيز في النضال المقدَّس من أجل إنهاء الاحتلال البغيض، وتجسيد الدولة الفلسطينية.
المصدر: العربي الجديد






