
في سابقة لم تألفها المؤسسات الأمنية السورية لعقود، أثار ظهور ضابطة منقبة خلال افتتاح معهد الشرطة النسائية في 14 من آذار الحالي موجة من التساؤلات، في مشهد يعكس تحولات لافتة في شكل الجهاز الأمني بعد تحرير البلاد من حكم آل الأسد.
ففي فترة حكم الأسد الأب، ظل الحجاب محدود الحضور في المؤسسات الرسمية ناهيك عن الأجهزة الأمنية، في ظل قيود غير معلنة أجبرت النساء على خلعه في سياقات أمنية وسياسية مرتبطة بتوجهات حزب البعث وقمعه للتيارات الإسلامية.
وامتدت هذه السياسات إلى المدارس، حيث أُجبرت طالبات على نزع الحجاب عند أبوابها، في ممارسات استمرت حتى عام 2001، وسط ربط ممنهج بين الحجاب والانتماء إلى “الإخوان المسلمين”.
أما في عهد ابنه المخلوع، بدا المشهد أقل تشددًا في الفضاء العام، إذ أصبح الحجاب أكثر حضورًا، مع انعكاس محدود لذلك داخل الأجهزة الأمنية، التي حافظت على طابع غير ديني في زيها الرسمي، مع غياب كامل للنقاب.
غير أن اندلاع الثورة عام 2011 وما تبعها من تحولات ميدانية، فرض واقعًا مختلفًا في بعض المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، حيث ظهرت عناصر من الشرطة النسائية بزي يحمل طابعًا دينيًا، خاصة في ريف حلب الذي كان خاضعًا لفصائل الجيش الوطني.
وبين تضييق سابق على المظاهر الدينية، وظهور محجبات فضلًا عن منقبات اليوم في الجهاز الأمني السوري، يبرز الجدل حول ارتداء النقاب في وظائف عامة مثل الشرطة، بين اعتباره حقًا شخصيًا ودينيًا، وبين اعتبارات مهنية تتعلق بطبيعة العمل الأمني، الذي يتطلب إظهار الوجه كجزء من تحديد الهوية.
أمام هذا الجدل، يستند مؤيدو ارتداء النقاب إلى ما يعتبرونه تجارب ناجحة في بعض الدول التي تسمح بعمل نساء منقبات في المؤسسات العامة ومنها الأجهزة الأمنية كالسعودية واليمن، فضلًا عن الطرح الذي يربط النقاب بالعمل المكتبي غير الميداني.
بينما يستند معارضون إلى قرار منع ارتداء اللثام لعناصر الأمن، مستشهدين بحالات ارتبطت بصعوبة التعرف على مرتكبي الانتهاكات أو بانتحال صفة عناصر أمنية.
آراء متباينة
وتتباين الآراء حول هذه المسألة، إذ يرى تامبي قاسم في منشور عبر فيسبوك أن إخفاء هوية عنصر الأمن، سواء كان رجلًا أم امرأة، يُعد أمرًا غير مقبول من الناحية المهنية، بالنظر إلى طبيعة العمل الأمني وضرورة إظهار الهوية، معتبرًا أن ذلك من متطلبات تحقيق الأمن في أي مجتمع.
في المقابل، يطرح سعيد الحلاق تساؤلًا على المنشور نفسه حول طبيعة العمل، معتبرًا أنه في حال كان الدور إداريًا داخل المؤسسة الأمنية، وليس ميدانيًا، فإن مسألة إظهار الوجه قد لا تكون شرطًا ملزمًا، خاصة في سياق استكمال المعاملات والإجراءات.
أما تيماء عزام، فترى أن العمل الأمني يتطلب وضوح الهوية والتعامل المباشر، معتبرة أن النقاب قد يقيّد طبيعة هذا الدور، إلى جانب تعارضه، بحسب رأيها، مع بعض الضوابط الاجتماعية المرتبطة بالاختلاط وطبيعة العمل.
خيار شخصي
ولا يوجد في سوريا قانون معلن يحدد شكل اللباس للأجهزة الأمنية بشكل تفصيلي، لكن هناك أنظمة وتعليمات داخلية غير منشورة للعامة تنظم الزي الرسمي لكل جهاز وتحدد نوعه.
وفي هذا السياق، يقول الضابط المنشق حمادة سلات إنه لم يصادف خلال فترة خدمته، قبل انشقاقه عن الجيش، أي موظفة في قوى الجيش أو الشرطة ترتدي النقاب، مشيرًا إلى أن النظام الداخلي كان يحدد اللباس لكل العاملين من ضباط وأفراد، ويمنع ارتداء النقاب.
ويضيف سلات في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن النقاب لا يتناسب مع العمل في سلك الشرطة أو الجيش، كونه قد يشكل عائقًا أمام أداء المهام، خاصة أن طبيعة العمل الأمني تتطلب إظهار الهوية، لافتًا إلى أن ملامح الوجه تُعد جزءًا أساسيًا من هذه الهوية، في حين أن الحجاب لا يخفي هوية الشخص ولا يعيق العمل.
ويؤكد سلات أن النقاب يظل خيارًا شخصيًا من حيث المبدأ، لكنه لا يراه مناسبًا أو قابلًا للتطبيق داخل مؤسسات الجيش أو الشرطة، وفق ما يقول.
ما حدود تدخل الدولة في المظهر؟
ويعد ارتداء النقاب يعد من حيث الأصل، تعبيرًا عن حرية الدين والمعتقد، وهي حرية مكفولة صراحةً في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 18)، وكذلك في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يضمن لكل فرد حرية إظهار دينه أو معتقده، سواء بالممارسة أو المظهر، بحسب حديث الباحث القانوني المعتصم الكيلاني، لموقع تلفزيون سوريا.
وفي الإطار السوري، ومع افتراض مرحلة انتقالية، يشير الكيلاني إلى أن المرجعية تكون في الإعلان الدستوري المؤقت، الذي يُفترض أنه كرّس حرية الاعتقاد ويؤكد على احترام الحقوق والحريات الأساسية، باعتبارها أساسًا لبناء النظام الجمهوري الجديد، وعليه، فإن الأصل القانوني هو الإباحة لا المنع.
ويقول إن هذه الحرية، وفقًا للقانون الدولي ذاته، ليست مطلقة، بل يمكن تقييدها بشروط صارمة: أن يكون التقييد منصوصًا عليه في القانون، وأن يهدف إلى حماية مصلحة مشروعة (كالأمن أو النظام العام)، وأن يكون ضروريًا ومتناسبًا.
وعليه، فإن ارتداء النقاب في الوظائف العامة يبقى حقًا مشروعًا، ما لم تتعارض ممارسته مع متطلبات جوهرية للعمل، كضرورة التحقق من الهوية أو ضمان التواصل المباشر أو الحفاظ على حياد المرفق العام.
بالتالي، فإن النقاب لا يُحظر بوصفه مظهرًا دينيًا، بل قد يُنظَّم بوصفه حالة وظيفية تخضع لمعايير موضوعية، لا لاعتبارات أيديولوجية أو تمييزية.
جدلية النقاب واللثام
ولا يُعالج التعارض بين متطلبات الوظيفة وحرية المعتقد بمنطق الغلبة المطلقة، بل وفق منهج قانوني راسخ في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهو مبدأ التناسب، بحسب الباحث، فهذا المبدأ يفرض اختبارًا دقيقًا يقوم على: مشروعية الهدف (كالأمن أو حسن سير المرفق العام)، وضرورة الإجراء، وغياب البدائل الأقل تقييدًا، والتوازن بين المصلحة العامة والحق الفردي.
وفي السياق السوري، يُفترض أن الإعلان الدستوري المؤقت كرّس هذا المنهج بوصفه معيارًا حاكمًا لأي تقييد للحقوق، بحيث لا يجوز المساس بحرية المعتقد إلا ضمن حدود ضيقة ومبررة.
وبناءً عليه، لا تُقدَّم متطلبات الوظيفة بشكل مطلق، ولا تُمنح الحرية الدينية حصانة كاملة، بل يتم الترجيح وفق طبيعة الوظيفة ذاتها. فكلما كانت الوظيفة مرتبطة مباشرة بالسلطة العامة أو الأمن أو القضاء، زادت مشروعية فرض القيود، والعكس صحيح، وعليه، فإن الفيصل ليس في أولوية أحد الحقين، بل في مدى احترام التقييد لمبدأ التناسب.
ويشير الكيلاني إلى أن الجدل حول منع اللثام لعناصر الأمن الذكور مقابل السماح بالنقاب للنساء يخضع لمبدأ جوهري في القانون الدولي، وهو مبدأ المساواة وعدم التمييز، المنصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 7)، والذي يُفترض أن عاد تأكيده في الإعلان الدستوري المؤقت كقاعدة دستورية ملزمة.
فإذا كان سبب المنع هو إخفاء الوجه لدواعٍ أمنية أو وظيفية، فإن القاعدة القانونية السليمة تقتضي اعتماد معيار عام ومجرد يُطبّق على جميع الأفراد دون تمييز. أما التمييز بين اللثام والنقاب دون أساس موضوعي مرتبط بطبيعة الوظيفة، فيُعدّ إخلالًا بمبدأ المساواة، وقد يرقى إلى تمييز غير مشروع، خاصة إذا لم يكن قائمًا على ضرورة حقيقية.
ويرى الكيلاني أن الحل القانوني المتوازن يتمثل في تبنّي قاعدة وظيفية محايدة، مثل اشتراط إظهار الوجه في وظائف محددة تتطلب ذلك، مع تطبيقها على الجميع دون استثناء، وبما ينسجم مع متطلبات العدالة والمساواة.
وتُظهر التجارب المقارنة أن الدول، رغم اختلاف أنظمتها، تعتمد في النهاية على مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان. ففي فرنسا، يُطبق نموذج صارم قائم على حياد الدولة، مع قيود واسعة على الرموز الدينية في الوظائف العامة، وقد أقرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشرعية بعض هذه القيود، بشرط احترام مبدأ التناسب.
في المقابل، تتبنى دول مثل المملكة المتحدة وكندا نهجًا أكثر مرونة، يقوم على مبدأ “التكييف المعقول”، حيث يُسمح بالمظاهر الدينية ما لم تُعرقل أداء الوظيفة بشكل جوهري.
المصدر: تلفزيون سوريا






