
انشغلت إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية في حربهما الكبرى مع إيران لأربعين يومًا متتالية متتابعة، وبالرغم من كل ذلك وبعد الهدنة مع إيران ثم في لبنان والبدء في مفاوضات لبنانية إسرائيلية، ما زالت احتمالات عودة الحرب مجددًا قائمة، لكن المفاوضات السورية الإسرائيلية المتوقفة منذ مدة، حيث امتنعت إسرائيل على الوصول فيها وعبرها إلى خواتيمها التي من المفترض أن تفضي إلى انسحابات إسرائيلية من المنطقة العازلة التي دخلتها قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ سقوط نظام بشار الأسد في ٨ كانون أول/ ديسمبر ٢٠٢٤.
إذ مازال الاشتغال الأميركي يتحرك ضغطًا على إسرائيل، وهو الذي وحسب تصريحات متعددة سورية وغير سورية، يمشي إيجابًا كما قال مسؤول سوري رفيع المستوى في الخارجية السورية. وهو ما يوحي بأن ما تقوم به إسرائيل من عدوان مستمر لا ينقطع ولا يتوقف، ومن تعديات متواصلة على المواطنين السوريين ضمن المنطقة العازلة وما حولها، ومن ثم الاستمرار في عملية القضم الجديد للأراضي السورية، هو بمثابة إجراءات تبتغي منها إسرائيل المزيد من الضغط الميداني المباشر على طريق إعادة إنتاج ذاك الاتفاق الأمني الجديد مع سورية، ومن الممكن هذه المرة أن يكون مستثمرًا إسرائيليًا بشكل أكبر، جراء استغلال نتائج الحرب، وكذلك العربدة الإسرائيلية المستمرة في المنطقة، وفائض القوة التي باتت تمتلكها إسرائيل في مجمل المنطقة العربية والشرق الأوسط أيضًا، بعد حربها في مواجهة إيران/ الملالي وكذلك لبنان، وقبل ذلك حرب الإبادة التي مارستها ضد الشعب العربي الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية.
يبدو أن ما يجري تسريبه ويرشح من هنا أوهناك على طول المدى، لا يبرح أن يكون محاولات للوصول إلى عودة المفاوضات بين الجانبين السوري والإسرائيلي المنقطعة حاليًا، ويبدو أن ذلك سوف يكون قريبًا، لكنه من الممكن أن يكون بشروط إسرائيلية أشد وأصعب، بل وأكثر إحراجًا للحكومة السورية، التي باتت في حالة من الضرورة القصوى لبسط سلطتها على كامل التراب الوطني السوري، ثم إعادة صياغة الواقع السوري الداخلي، وفق متطلبات المرحلة القادمة ووحدة سورية أرضًا وشعبًا، توطئة لعملية البناء وإعادة الإعمار في سورية، التي باتت تكلف ما ينوف عن ٦٠٠ مليار دولار حسب تقديرات أممية وبحثية، بعد أن تم تهديم البنية التحتية على يد الاستبداد الأسدي، بما نسبته أكثر من ٦٥ بالمئة من تلك البنية التحتية المشار إليها ، وسط صمت دولي ملفت، وإشاحة في الوجه عن أي احتمالات قريبة لعقد مؤتمر عالمي دولي لإعادة إعمار سورية، ويبدو أن عدم الاهتمام الدولي بمثل هكذا مؤتمر يستند إلى حالة من انشغالات العالم كله بما هو أهم بالنسبة لهم، إذ أنه لا يمكن أن يتحمل الشعب السوري كما أنه ليس بمقدوره أصلًا كل تبعات أو إمكانيات البناء وإعادة الإعمار ضمن الجغرافيا السورية في ظل إرث اقتصادي سوري منهوب من قبل سلطة آل الآسد.
أمام هذا المشهد الصعب فإن هناك تحديات كبرى تقع على كاهل الحكومة السورية الجديدة، وعلى هدي سياقاته ومتغيراته، فليس بإمكان الحكومة السورية القبول اليوم بأي اتفاق أمني حالي وفق الشروط التعجيزية للإسرائيليين، كما أنه ليس بإمكانها المضي قدمًا في ديناميات إعادة البناء والإعمار، دون الانتهاء من حالة البرزخ الحالي التي تنوس بين واقع اللا سلم واللا حرب مع إسرائيل، في وقت تشهد فيه المتغيرات الدراماتيكية في المنطقة كلها انزياحات كبرى وبدعم أميركي لامحدود للكيان الإسرائيلي، يعد فيه (نتنياهو) نفسه والمحيط الإقليمي، في أنه بصدد إنتاج شرق أوسط جديد على قده ومقاسه، ووفق سياسات الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، وهي التي تقونن حالة إعدام الأسرى الفلسطينيين، وسط صمت مطبق من العالم أجمع على جملة الجرائم التي ترتكبها حكومة نتنياهو في الإقليم.
من هنا فإنه أمام الحكومة السورية اليوم الكثير من الصعوبات والتحديات الداخلية والخارجية لا يبدو أنها ستكون سهلة، ولاهي بقادرة على تخطيها بسلام وسلاسة في القريب العاجل، وبالتالي يمكن ان يكون هناك اتفاق أمني مع إسرائيل يعيد تحديث اتفاق فض الاشتباك الموقع بين حافظ الأسد وإسرائيل عام ١٩٧٤، لكن بالطبع من الممكن أن يكون وفق شروط إسرائيلية ستكون مجحفة بالضرورة ، ومن الصعب القبول بها ضمن حالة من الانتفاخ الإسرائيلي و الهمجية المفرطة، وفائض القوة الذي بات بين أيديها، وضمن إدراك إسرائيلي مفاده أنه لا خيار أمام السوريين سوى التوقيع على اتفاق أمني جديد، يترك لسورية المجال متاحًا لإعادة البناء والإعمار على أسس جديدة، وقد يترك ذلك آثارًا سلبية على مدى عقود قادمة، ضمن أجواء عدم الإمكانية للتوصل إلى أي اتفاق سلام دائم مع سورية، في ظل امتناع إسرائيل كليًا عن الخوض في موضوع عودة هضبة الجولان المحتلة من قبل الإسرائيليين منذ حرب الخامس من حزيران/ يونيو عام ١٩٦٧.
وإذا كان الاتفاق الأمني المزمع بين إسرائيل وسورية قادم لامحالة، فإن شروطه لابد أن تكون أسهل على السوريين هذه المرة حتى يتم ابتلاعه وتسير الأمور باتجاه التوقيع والإنجاز دون حرج من قبل حكومة دمشق، وإلا فإن نتائج ذلك ستكون غاية في الصعوبة. إذ أن إسرائيل مازالت تستثمر بنتائج الحرب الكبرى، ومازالت تضغط داخليًا على الحكومة السورية عبر اللعب بورقة محافظة السويداء والطائفة الدرزية، وهذا موضوع لن تتركه إسرائيل أبدًا كورقة جاهزة وحاضرة وممسكة بها أيما إمساك، وهي في الوقع تقض مضجع كل السوريين بعد أن عجزت حكومة دمشق حتى الآن عن الوصول إلى حلول على مساراتها في جبل العرب والجنوب، وبعد أن غابت عمليًا عن أية حوارات جدية داخلية مع نخب السويداء ومجتمعها، قد تنهي إشكالية محافظة السويداء وتعيد الوطن السوري موحدًا ، وتقطع الطريق على الانفصاليين، ناهيك عن عجزها حتى الآن عن إيجاد حلول موضوعية للخدمات المفقودة والتضخم غير المعقول، والذي بات فوق طاقة الناس، كما لا يبدو أن إسرائيل سوف تتخلى عن ورقة السويداء القوية في يدها، ولم تنتج حكومة دمشق حتى الآن أية مسارات عملية لاختطاف هذه الورقة من يد إسرائيل، وتحويلها إلى مسألة وطنية سورية بامتياز، لابد من العمل عليها حثيثًا وسريعًا قبل فوات الأوان، وبالتالي منع إسرائيل من استغلالها أو استثمارها كما تريد وتشتهي حسب مخططاتها .






