
احتكام “حزب الله” إلى الميدان يوفر لإسرائيل ذرائع مواصلة العدوان وصولاً لإعلان لبنان “دولة غير ذات شأن”
يفضي الانقسام العميق في لبنان بين ما يمثله ويقوم به “حزب الله” وإيران وبين ما تطمح إليه السلطات الشرعية، إلى حال من الاهتراء الشامل على المستويات كافة، مما يشجع الحكومة الإسرائيلية على ممارسة مزيد من الهجمات ويدفع بعض سياسييها إلى التلويح مجدداً بدمار يطاول منشآت الدولة التي تحميها حتى الآن خطوط حمراء ترسمها الولايات المتحدة الأميركية، وإلى تكرار الحديث عن عمليات واسعة تشمل مناطق أوسع في الجنوب والبقاع. ويعني ذلك في ما يعنيه إنهاء محاولات نهوض الدولة اللبنانية من الأنقاض التي ترزح تحتها، ووأد حلم اللبنانيين في الخروج من أزماتهم، بقيادة مؤسسات شرعية منتخبة وكفؤة، وربما يؤدي كل ذلك إلى إلغاء دور الدولة ومؤسساتها من الأساس لمصلحة آنية يعمل لها الحزب وإيران، وأخرى بعيدة المدى تخطط لها إسرائيل.
ليس الخلاف في لبنان على مبدأ التفاوض مع إسرائيل، ولا على الأهداف الطبيعية لهذا التفاوض وجوهرها استعادة سيادة الدولة اللبنانية على أرضها بعد الانسحاب الإسرائيلي من مئات الكيلومترات المربعة من الأراضي المحتلة وعودة سكانها إليها.
ومع ذلك فالخلاف قائم وحقيقي وهو أعمق مما يثار ويقال، وليس سببه ما يحكى عن “تفرد” رئيس الجمهورية جوزاف عون وعن احتمال اجتماعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أو ما يشاع، بافتعال مقصود، عن رغبته بمفاوضات مباشرة لم تحصل، فكل ذلك أجاب عنه الرئيس اللبناني وأوضحه رئيس الحكومة نواف سلام أكثر من مرة. أبلغاه إلى الوسيط الأميركي الذي لا غنى عنه ولا بديل، وأعلناه أمام جمهور اللبنانيين والعرب بحيث أصبح تكراره مملاً: لا مفاوضات مباشرة قبل تثبيت وقف النار والامتناع عن هدم المباني، ولا لقاء مباشراً مع نتنياهو، إذا كان لا بد منه بسبب ضغط الوسيط الأميركي، إلا نتيجة للانسحاب الإسرائيلي الكامل وضمان وقف الاعتداءات على طرفي الحدود.
الموقف الذي تتخذه السلطة اللبنانية الشرعية لا يحتمل تأويلاً، وهو مع ذلك يتعرض لأبشع هجوم يشنه “حزب الله”، مستنداً إلى موقف حليفه رئيس المجلس النيابي نبيه بري، ومعه يحتميان وراء جملة لم تعد مفيدة مؤداها رفض المفاوضات المباشرة.
يعيدنا هذا الرفض إلى سياق المشكلة في أساسها، فهل رفض التفاوض المباشر يعني القبول بالتفاوض غير المباشر؟ وفي هذه الحال من سيتولى الوساطة أو نقل الرسائل؟ في جواب بري أن التفاوض يتم عبر لجنة وقف الأعمال العدائية المنبثقة عن اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 الذي رعاه وفاوض في شأنه بإيعاز من “حزب الله”، لكن هذه اللجنة التي يرأسها جنرال أميركي بمقتضى الاتفاق المذكور الذي تم برعاية أميركية، توقفت عن العمل بعد تجدد حرب الانتقام للمرشد علي خامنئي، وها هي أميركا نفسها ومعها إسرائيل تتمسكان الآن بمفاوضات مباشرة رعت اللجنة أحد اجتماعاتها قبل أن ينصرف “حزب الله” إلى الحرب المتجددة إثر انتهائه من واجب مساندة حلفائه في غزة.
يرفض “حزب الله” التفاوض بعد حربي إسناد قادتا إلى عودة الاحتلال المدمر، ويصر على أن الكلمة للميدان المتسع إفراغاً من سكانه وعمرانه. وتستند إسرائيل إلى هذا الرفض لتواصل قضمها وتهجيرها وقتلها البشر والحجر. إنها تعتبر تأخير التفاوض فرصة عمليات ذهبية، والحزب، ومن ورائه إيران يعتبر منع التفاوض الرسمي اللبناني – الإسرائيلي فرصة لتفاوض إيراني، من موقع أقوى، مع الولايات المتحدة الأميركية، يعتقد الحزب أن إحدى نتائجه ستكون الحفاظ على وجوده في الحد الأدنى أو تمكينه من السلطة في لبنان في الحد الأقصى.
كان يمكن للصورة أن تختلف تماماً لو انخرط “حزب الله” في مشروع الدولة لوضع حد للحرب واستعادة الأرض والسيادة. كان يمكنه لو اتخذ موقفاً بوضع قدراته في تصرف السلطة الشرعية، كما قضت بذلك وثيقة الوفاق الوطني ومختلف قرارات مجلس الأمن الدولي بما فيها القرار 1701 وملحقاته المضافة في اتفاق 2024، أن يجعل المفاوض اللبناني يذهب إلى أية مفاوضات من موقع القوة وليس من موقع الضعف والانقسام الذي ما انفك الحزب عن إثارتهما ممعناً في سلب البلاد نقاط حيويتها من طريق الحرب والقضم، وتشجيع الانقسام الأهلي من طريق تبنيه كل أشكال التخوين لمعارضي نهجه وهم كثرة بين مختلف اللبنانيين، مناطق وطوائف وتيارات.
لكن الأمل بحصول مثل هذا التحول في موقف حزب يرتبط كلياً بإيران يكاد يشبه أمل إبليس في الجنة، فالولاء الأعمى لطهران الخمينية والمصالح التي يعبر عنها الحزب تجعله على خط نقيض للدولة ومصالحها، مما لا يزعج إسرائيل أبداً، هي التي ترى في وجود حزب مسلح كهذا، سبباً وجيهاً لاستمرار حربها واعتداءاتها ضد لبنان، وتسخيفها قدرة سلطاته الشرعية على تمثيله أو النطق باسمه.
يفضي الانقسام العميق في لبنان بين ما يمثله ويقوم به “حزب الله” وإيران وبين ما تطمح إليه السلطات الشرعية، إلى حال من الاهتراء الشامل على المستويات كافة، مما يشجع الحكومة الإسرائيلية على ممارسة مزيد من الهجمات ويدفع بعض سياسييها إلى التلويح مجدداً بدمار يطاول منشآت الدولة التي تحميها حتى الآن خطوط حمراء ترسمها الولايات المتحدة الأميركية، وإلى تكرار الحديث عن عمليات واسعة تشمل مناطق أوسع في الجنوب والبقاع. ويعني ذلك في ما يعنيه إنهاء محاولات نهوض الدولة اللبنانية من الأنقاض التي ترزح تحتها، ووأد حلم اللبنانيين في الخروج من أزماتهم، بقيادة مؤسسات شرعية منتخبة وكفؤة، وربما يؤدي كل ذلك إلى إلغاء دور الدولة ومؤسساتها من الأساس لمصلحة آنية يعمل لها الحزب وإيران، وأخرى بعيدة المدى تخطط لها إسرائيل.
يعيد المشهد اللبناني في تفاصيله الراهنة إلى الأذهان تجربة السلطة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات مطلع هذه الألفية، فقد عارضت حركة “حماس” في حينه، وبدعم إيراني سخي، اتفاق أوسلو ومبدأ المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية. وتبرع خالد مشعل الزعيم البارز في الحركة بالإعلان أن حركته هي تلميذ لأفكار الخميني. فشل عرفات في ضبط هجمات “حماس” وخلق مناخات مناسبة لاستكمال التفاوض مع إسرائيل، فيما ارتاحت الأخيرة إلى سعي “حماس” لتدمير مشروع الدولة الفلسطينية.
انتهت تلك المرحلة إلى إعلان إسرائيل عرفات “رجلاً غير ذي شأن” ثم تفردت “حماس” بالسيطرة على غزة في انقلاب دموي أنهى طموح منظمة التحرير إلى تحقيق بدايات دولة في الضفة والقطاع. لقد التقى الإسرائيليون وأنصار إيران على رفض تلك الدولة وما زالوا. وفي لبنان يخشى أن تقود سياساتهم إلى النتائج نفسها، فتصبح الدولة اللبنانية “غير ذات شأن” ويستمر المشروع التدميري إلى نهايات تهدد الوجود اللبناني في أساسه.
المصدر: أنديندنت عربية





