
يارا إسعاف وهبي كاتبة سورية متميزة. روايتها: وشمس أطلت على ديارنا الغريبة هي رواية يارا وهبي الأولى التي نشرتها عن دار ميسلون عام ٢٠٢٢م، التي اقرأها واكتب عنها.
السرد في الرواية على لسان الراوي العليم. شمس السورية الأصل مع زوجها “العزيز” الألماني هي وهو الشخصيات المحورية في الرواية. حيث تعيش شمس مع زوجها في مدينة “زالفيلد” الألمانية التي بدأت تستقبل الكثير من السوريين الهاربين من الموت نتيجة الحرب التي شنها النظام المجرم على الشعب السوري بعد ثورته التي حصلت في ربيع ٢٠١١م..
شمس السورية المتزوجة من الماني كان قد زار دمشق مرارا وتعرف على شمس واحبا بعضهما وتوّجو حبهم بالزواج.
شمس خريجة الجامعة باللغة الانكليزية كانت تعيش في كنف جدتها بعد وفاة والدها الذي كان معارضا للنظام المستبد السوري. وادى الى اعتقاله، ووفاته بالمعتقل وكانت شمس مازالت طفلة. لم تحتمل الأّم فقدان زوجها ، مرضت وتوفيت بعد ذلك بفترة قصيرة. بقيت شمس تحت رعاية جدتها المسيحية الأرمنية الأصل التي كانت قد هربت الى سورية بعد الحرب العالمية الأولى. وتزوجت من دمشقي مسلم وعاشت حياتها في دمشق تربي شمس التي تطلق عليها لقب “حبة السكر”.
شمس درست وتعلمت وأتقنت اللغة الألمانية ومن خلال عملها تعرفت على العزيز الألماني الذي زار دمشق لأكثر من مرة واحبها. واحب اللغة العربية وحصل زواجهما. غادرت شمس مع العزيز دمشق وعاشت في مدينة زالفيلد مع زوجها هناك.
العزيز يحمل في ذاكرته ما ترسب من ذكرى الحرب العالمية الثانية ومآسيها وما عاشه الناس من ويلات تلك الحرب. ولذلك عندما حصلت الثورة السورية ربيع عام ٢٠١١م وقرر النظام المجرم القضاء عليها بالعنف والقوة، وبدأ الناس بالهروب للنجاة بأرواحهم كان لألمانيا النصيب الكبير من هؤلاء اللاجئين. وكانت شمس وزوجها العزيز من أوائل من استقبل هؤلاء الناس الهاربين بأرواحهم لانقاذها، طبعا من وصل إلى ألمانيا ولم يمت في الغابات أو يموت غرقا في البحار.
وثّقت شمس وزوجها العزيز اغلب قصص المهجرين وقرر زوجها نشرها في رواية .
وهنا نذكرهم تباعا:
أبو جابر ابن اللاذقية.
أبو جابر ابن اللاذقية الذي يعشق القهوة السورية ويبعث لاحضارها خصيصا من بلاده. كان واحدا من أبناء الشعب العاديين، ما أن بدأت صرخات الحرية الاولى تعلو في تظاهرات اللاذقية حتى خرج فيها هو و زوجته، شارك بكل عنفوان لقد تحدى ذل عشرات السنين وغامر مع الآخرين متحديا النظام الذي سارع يقمع المتظاهرين ويطلق عليهم النار ويعتقل الناشطين ويقتلهم بدم بارد.
كانت النتيجة أن يهرب ابو جابر وعائلته من سوريا باتجاه تركيا. وهناك عاشوا فترة من الزمن وبعدها غامر بالسفر تهريبا عبر البحر تجاه ألمانيا ووصل. هناك تعرف على توماس الألماني الذي زار دمشق والجامع الأموي أكثر من مرة. ومن ثم أعلن إسلامه.
وجد توماس أبو جابر نموذجا للإنسان الطيب العفوي الاصيل، اصبحا اصدقاء وأعانه في استقراره وكذلك ساعد ابو جابر توماس على حفظ القرآن. وكان له العون عند حضور عائلته بعد قبول لم الشمل. ساعده في مدينة زالفيلد وكذلك في الانتقال مع عائلته إلى مدينة أخرى فيها عرب ومسلمين وبيئة اجتماعية حاضنة لام جابر وعائلتها. وخاصة انها خافت على ابنائها وبناتها من أجواء الانفتاح الأوروبي.
وهكذا استقر ابو جابر وعائلته في مدينة المانية بجوار نهر الراين يستعيد أجواء اللاذقية وبحرها.
الأخوين رامي وحنين.
أصبحت شمس تعمل رسميا بين اللاجئين السوريين ويساعدها زوجها العزيز أحيانا.
تعرفت على الطفل رامي الذي جاء حديثا الى مجمع اللاجئين السوريين، علمت أنه جاء مع اخته الاصغر منه حنين. وأنه من دمشق وأن عائلته هربت من أجواء الموت والخوف في سوريا الى تركيا وهناك أرسله والده مع أخته الى ألمانيا ثم يقدما لم الشمل للعائلة لتتبعهم إلى هناك. عمره عشر سنوات لكن والده أوصاه أن يعلن أن عمره ثماني عشر سنة لكي لا يفصله الالمان عن اخته. واوصاه ان يحميها ولا ينفصلا في كل الظروف، دخلوا غابات وواجهوا قطاع طرق وركبوا البحر ولم يغرقوا، ووصلوا ألمانيا. اطمأن رامي الى شمس وبدأ يقص عليها حكايته. وعرّفها بعد ذلك على اخته حنين واحست شمس بمعاناته وطلبت من صديقتها “كريت” الطبيبة النفسية أن تتابعه كما تتابع السوريين الآخرين. ولكنها لم تستطع الدخول إلى أعماقه النفسية. بقي رامي يعيش تهيؤات نفسية تجعله مضطربا ويعيش حياة مؤلمة. انتهت به أن شنق نفسه ومات منتحرا.
جرح ذلك شمس نفسيا وكان قاسيا على كل من عرفه. تبنت احدى النساء حنين وجعلتها بمثابة ابنة لها.
ام العندليبة وأخريات.
اعتادت شمس أن تتعرف على لاجئين سوريين جدد بشكل شبه يومي. بعدما اصبحت تعمل رسميا مكلفة من الدولة الالمانية. ويعمل معها زوجها العزيز. الذي يوثق كل ما يعلمه ليكون بعضا من الرواية التي سيكتبها قريبا موثقا رحلة لجوء السوريين إلى ألمانيا.
ام العندليبة “لؤلؤة” شامية أخرى ولكنها كانت من مؤيدي النظام. وزوجها كان ضابطا بالجيش. قتل في ظروف غامضة. وأصبحت حياتها مهددة، فقررت اللجوء إلى ألمانيا حملت طفلتها العندليبة وغامرت في طريق صعب ووصلت إلى ألمانيا. وهاهي تحاول الاندماج والعيش في المانيا وسط السوريين هناك.
استطاعت ان تندمج وسط الألمان شاركت في نشاطات اجتماعية كالمشي الطويل مع آخرين وأخريات. تعرفت على ذلك الالماني الذي انجذب لها وانجذبت له. لم تجد جدوى من استمرار ارتباطها النفسي بزوجها الراحل. تجاوبت مع الألماني وانتهت العلاقة بعد فترة بالزواج.
أما صديقتها السورية الحلبية “مرحة” فلها حكاية مختلفة فقد كانت مناطق تواجدهم في الظروف التي عصفت بسورية تحت سيطرة داعش. ولمعرفة عائلتها بوحشية داعش وسوئها. سارعت لتهريبها إلى تركيا ومنها إلى ألمانيا. وهناك تواجدت في أوساط السوريين اللاجئين الى هناك. تعايشت معهم وتابعت تواصلها مع أهلها في حلب. وعلمت بأن داعش قتلت والدها وطلبت منهم المال مقابل الإفراج عن الجثة. حاولت مع اخيها ان تنقذ جثة والدها منهم. رحلت رحمة إلى ألمانيا لكنها بقيت مرتبطة بما أصاب أهلها هناك.
أيوب وزوجته نوال وابنه كروان.
تحدثنا الرواية عن الراعي الكردي ابن القامشلي أيوب وابنه كروان وزوجته نوال ورحلة هروبهم من النظام الذي هاجم المتظاهرين السلميين واعتقل الكثير وعذبهم وقتل البعض. كان الحل أمام العائلة ان يهربوا الى كردستان العراق القريبة منهم. وهناك لم يستطيعوا التكيف رغم اشتراكهم بالانتماء الكردي لكنهم أحسوا أنهم فقدوا إحساسهم بالوطن وافتقد أيوب الشغف بالحيوانات وسياحته كراعي يوميا يحمل شبابته ويناجي الوجود وخالقه منتقلا وراء قطيعه من مكان لآخر.
غادر الى تركيا وهناك حاول العيش والعمل، لكنه لم يستطع التكيف والعيش ايضا. لذلك قرر اللجوء الى المانيا مغامرا بنفسه وعائلته عبر البحر. ركبوا البحر برحلة خوف وأمل، ووصلوا إلى زالفيلد وهناك بدأ رحلة تعلم الالمانية والاندماج، وجد بعض الصداقات ووجد مع زوجته وأبنائه احتمال وطن بديل.
انشغل مع الألمان الذين احتضنوه في مواجهة النزعات النازية التي بدأت تنمو وخاض تجربة نضال صغيرة مع آخرين ألمان لانتزاع لوحات الخنزير رمز الحزب النازي عن سواري اعمدة النور في الشوارع. لقد اندمج ايوب و عائلته وبدأ حياة جديدة في زالفيلد المدينة الألمانية.
غادة وامير أبناء السلمية.
ننتقل مع شمس التي تحدثت عن غادة وزوجها أمير من مدينة السلمية السورية اللذين يمثلان نموذج السوريين الثوار المنخرطين في الحراك السلمي ضد النظام المستبد. قرروا الانتقال بين المدن السورية ليشاركوا في التظاهر بدء من حمص وساحة الساعة وصولا الى درعا مهد الثورة. وهناك عاشوا هول عنف النظام ووحشيته. ومع الهاربين من درعا هربوا إلى مخيم الزعتري بصحبة أطفالهم ، لم تستطع غادة تحمل العيش في الزعتري غادرت مودعة عائلتها، وقالت لهم نلتقي في ألمانيا. وفعلا بعد زمن لحقت بها العائلة عبر لم الشمل ليجتمعوا في زالفيلد. امير كان رساما. رسم غادة التي تركتهم لمصيرهم في صحراء مخيم الزعتري. وفي لحظة حزن قاسية حرق كل رسومه. يتذكرون ذلك هم الان في المانيا وغادة مع نوال صديقتها التي علمنا قصتها السابقة، وأخريات يفتتحون مطعما يقدم أصناف الطعام السورية، وينجحون.
لقد استطاعت غادة وأمثالها أن تقنع بسلوكها ذاك الألماني النازي الذي جاء ليعتدي عليها ، وعندما راقبها وتابع ما تعمل ودورها الايجابي حيث هي ، انتمى اليها واصبح اكثر انسانية. عاقبه رفاقه النازيون وضربوه والقوه امام محلها. التقطته وعالجته وقدمت له المعونة المطلوبة .
هناك المانية اخرى حكت لشمس حكايتها كانت تعشق الشام وتزور سورية دوما. وعندما قامت الثورة شاركت في المظاهرات. مقتنعة بحق السوريين بمواجهة الظلم وطلب الحرية وإسقاط الاستبداد. شاركت قدر استطاعتها. بعض أصدقائها وصديقاتها من المتظاهرين اعتقلوا. غادرت إلى ألمانيا. وهنا في زانفيلد تبنت قضيتهم وهاهي تقدم ما تستطيع داعمة لوجودهم واندماجهم ومنتصرة لحقهم الانساني بالعيش في ظروف حياة أفضل.
هكذا يستمر اندماج السوريين في المانيا .
مروان وعائلته.
مروان ابن السويداء ليس معارضا للنظام ولا مواليا له. لم يكن أهل السويداء قد شاركوا حراك السوريين في التظاهر ضد النظام المستبد بعد. لكنهم شاركوا لسنوات في ساحة الكرامة بالسويداء بعد ذلك . ولم يكن له سبب يدفعه للتفكير بالهجرة إلى ألمانيا مثل بقية السوريين الهاربين من الموت والظلم. لكنه كان يحلم بالهجرة لألمانيا. ويتذكر الصعوبات الكثيرة سابقا. وجد استقبال الألمان للسوريين فرصة له لكي يغامر وعائلته بالسفر إلى ألمانيا. غادروا الى لبنان وهناك تعرضوا للتنمر والاساءة. وانتقلوا بعد ذلك إلى تركيا. وهناك عاش فترة من الزمن مترددا بين أن يخوضوا تجربة ركوب البحر وبين الخوف من احتمال غرقهم كلهم أو بعضهم. لكنهم غامروا اخيرا وعاشوا تجربة الركوب في قارب صغير يحمل أكثر من قدرته وعبر بهم القارب البحر. عانوا كثيرا وخافوا من الغرق، قاوموا بالغناء والدعاء لله لينقذهم ويوصلهم الى بر الأمان. وصلوا إلى إيطاليا ومن هناك انتقلوا إلى ألمانيا.
أما سلمى زوجة مروان فقد كان لها أخا منتميا الى مجموعات مسلحة مساندة للنظام وقد قُتل في إحدى المواجهات مع الثوار.
يتذكر مروان صديقه وديع الذي اختلف معه حول الثورة السورية. مروان يراها عصابات مسلحة وإسلاميين متطرفين وتدخل خارجي. أما وديع فقد رآها ثورة السوريين ضد الظلم والاستبداد والفساد. و افترق الصديقان لأجل ذلك.
كثيرة هي الحكايا في جعبة شمس والعزيز.
شمس والعزيز وجدتها.
تختتم شمس روايتها بتدوين العزيز بتحويلها الى نص مكتوب من قبل زوجها.
تعود شمس لتتذكر جدتها الارمنية المسيحية المتزوجة من سوري مسلم وانجابها لابنها الذي كان معارضا للنظام، الذي اعتقله ومات في سجونه. وكيف ماتت والدة شمس وهي مازالت طفلة بعد موت والدها بأشهر، ماتت الأم مسمومة، لقد انتحرت. كبرت شمس في حضانة جدتها. كانت تلقبها حبة السكر، وعندما كبرت ودرست بالجامعة فرع اللغة الانكليزية. ودخلت دورات تعلم اللغة الألمانية. وتعرفت على العزيز في دمشق الذي كانت له زيارات كثيرة لها. وعندما حدثت الثورة السورية وشاركت شمس في التظاهر خافت الجدة على حفيدتها من مصير والدها. أرسلت للعزيز أن يحضر من ألمانيا إلى دمشق عاجلا. وجاء وتوجت العلاقة بين شمس والعزيز بالزواج ، ومن ثم غادرت شمس وزوجها إلى ألمانيا وهناك عاشت وكانت مع العزيز أكبر معين لّلسوريين الذين وصلوا الى زالفيلد في المانيا وقدموا لهم يد المساعدة كما تابعنا في سياق قراءتنا للرواية.
لم تعد شمس وزوجها الى دمشق خوفا من النظام لأن النظام كان قد عمم اسم شمس على انها معادية له. لذلك التقت بهم في لبنان. ومن ثم حملت شمس بطفلتها حبة السكر الثانية الحفيدة .
ومرت السنين وكبرت حبة السكر وأصبحت صبية تحكي لها امها شمس عن جدتها التي توفيت وعن سورية وكأن واقع الحال السابق من ظلم النظام لم يعد موجودا.
الرواية تتنبأ بسقوط النظام وعودة سورية للسوريين ولو بعد حين.
في التعقيب على الرواية اقول:
لقد قرأت العشرات من الروايات التي تحكي قصة لجوء السوريين الى اوروبا والمانيا تحديدا. وسمعت تجارب مباشرة من كثيرين اصدقاء وصديقات لي. إن رواية “و شمس أطلت على ديارنا الغريبة” من أكثرها عمقا واتساعا وشمولا. لقد أعادت الرواية رسم معالم الواقع السوري بتنوعه في سنوات الثورة. شملت الجغرافيا السورية كلها. وشملت التنوع الديني والاثني والديني والطائفي. كانت منصفة باعادة رسم خارطة الوجود الثوري الثائر. وكانت الرواية منتصرة للثورة وحق السوريين بالحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية والحياة الأفضل.
لقد نشرت الرواية قبل سنتين من انتصار الشعب السوري واسقاط النظام المستبد. وكانت قد اوحت الرواية بذلك.
نعم أن الشعوب ستنتصر على الظالمين فيها ولو بعد حين.
ها نحن نعيش في سوريا الحرة الجديدة الخارجة من رمادها تصنع مصيرها الافضل.






