
منذ أن وصلتُ إلى أوروبا وأنا أعيش في قلقٍ حقيقي. ليس بسبب اللغة، ولا بسبب الطقس، ولا حتى بسبب الضرائب التي يدفعها الناس هنا وهم مبتسمون. قلقي سببه أمر أخطر بكثير: لم أجد حتى الآن مضافةً (أوضة ) واحدة، أو بيتا مسوبع من الشعر . في الأيام الأولى قلت في نفسي: ربما أنا في الحي الخطأ. فالأحياء الراقية لا بد أن يكون لها شيوخ قبائل راقون. مشيتُ شارعا بعد شارع لكن بدل المضافات وجدت مكتبات… مكتبات تخيلوا الوقاحة. الناس يدخلونها ويخرجون دون أن يسألهم أحد: ابن من أنت؟ مع من تقف في الخصومة الكبرى بين آل فلان وآل فلان؟ بل إنهم يأخذون كتابا ويذهبون به إلى البيت!
في بلادنا لو أخذتَ شيئا من مكان عام فسيأتيك عشرون رجلا يسألونك: “من سمح لك؟” أما هنا فالموظفة تقول لك: “تفضل… وأعده بعد أسبوعين.” هكذا ببساطة… كأن الثقافة شيء طبيعي!
ثم قلت: لا بد أن أجد ديوان كبير القوم. لكنني وجدت ناديا للشباب، وناديا للكلاب. دخلت بحذر، متوقعا أن ينهض أحدهم ويقول: “ حياك… تقهوه واكدع تمر .” لكن الشبان كانوا يلعبون كرة الطاولة ويضحكون. لم يقف أحد.
ظننت أنهم لم ينتبهوا لهيبتي القبلية، فسعلتُ بصوت مرتفع. نظر إليّ شاب وقال: “هل تحتاج شيئا؟” قلت في نفسي: هذا شعب لا يعرف الأصول.
وفي يومٍ دعاني صديقي توماس إلى عرس. قلت أخيرا: الآن سأرى الخيمة، والشاعر الذي يقف على كرسي ويصرخ: “ارحبوا …ارحبوا ” لكن العرس كان في قاعة نظيفة، والموسيقى تصدر من جهاز صغير اسمه دي جي. بحثت عن شاعر القبيلة… لم أجده. بحثت عن رجل يطلق الرصاص في الهواء… لم أجده أيضا. الناس كانوا يرقصون بهدوء، وكأن الفرح لا يحتاج إلى إصابة ثلاثة أشخاص بالخطأ.
وفي أحد الأيام أخذني صديقي إلى البحيرة. هناك رأيت أكواخا للشواء فيها كل شيء: الفحم، الطاولات، الأدوات. قال لي:ً “فقط أحضر اللحم وعدة البيواز .”
قلت له: “ومن يقرر إن كان الشواء مسموحا هنا؟” نظر إليّ بدهشة وقال “البلدية سمحت ” .بلدية يعني لا شيخ ولا وجاهة ولا لجنة صلح! ثم ذهبنا إلى حديقة الحيوانات. رأيت الدبّ له طبيب، والحصان له ممرضة، والقرد له ألعاب. وقفت أتأمل القرد طويلا. كنت أفكر: لو عاش هذا القرد في بلادنا لأصبح شيخ قبيلة خلال أسبوع.
وعلى الشاطئ رأيت أطفالا يلعبون، ونوارس تحلق فوق الماء، والناس يسبحون دون أن يسألوا أحدًا: “هل الشاطئ تابع لعشيرة معينة؟”كل شيء يجري ببساطة مريبة. عندها فهمت سرّ أوروبا.
هؤلاء الناس ارتكبوا خطأً كبيرا منذ قرون: استبدلوا شيوخ القبائل بالمكتبات،
والمضافات بالمسارح، والخصومات بالمقاهي. ولهذا السبب يعيشون بهدوء. أما في بلادنا فما زلنا نبحث عن شيخ جديد… لنخبره أن المشكلة القديمة ما زالت كما هي، لكننا نسينا أصلها منذ زمن.






