
ستوقع إيران وواشنطن الاتفاق بينهما أو إعلان نوايا. لم تعد التسمية ذات أهمية في ظل إعلان سيكون محطة تاريخية تؤمِّن وقف الحرب في المنطقة، والانغماس في مفاوضات تمتد على ستين يوماً ستكون شاقة ومنهكة، لكنَّ المسار قد انطلق.
يترقب لبنان لحظة الإعلان ليبني عليها. فوقف إطلاق النار بات مضموناً، وقد سلّمت إسرائيل بالالتزام به وتعهدت بذلك لواشنطن، لكنَّ التفاصيل تبقى الأهم، ولا سيّما لجهة عدم منح إسرائيل حرية الحركة بالشكل الذي تصرُّ عليه، خشية أن تعود مجدداً إلى مسلسل الاستهدافات والاغتيالات بذريعة وجود أخطار تتهددها.
وثمة نقطة أخرى مفصلية تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي من الجنوب. وكان واضحاً أنَّ إسرائيل سعت خلال الساعات الماضية إلى توسيع دائرة التوغل والسيطرة باتجاه مزيدٍ من الأراضي الجنوبية، وفرض أمرٍ واقع بالنار يكون السقف الذي تنطلق منه المفاوضات معها في المرحلة المقبلة.
وتؤكد المعلومات أن طهران تنوي المضي في الاتفاق بغضِّ النظر عمّا يقال عن تباينات داخلية في وجهات النظر حيال بعض بنوده، فالكلمة الفصل في نهاية المطاف هي للمرشد الأعلى السيد مجتبى خامنئي الذي يتخذ القرار النهائي. ويتضمَّن الاتفاق تأكيداً على وقف إطلاق النار، أما الانسحاب الإسرائيلي فسيندرج النقاش حوله ضمن مسار المفاوضات المتعلقة بالملف النووي خلال الستين يوماً المقبلة. ووفق مصادر مطلعة، يعتبر الإيرانيون أن الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب سيكون مضموناً ضمن اتفاق الملف النووي.
ترحيل الانسحاب إلى طاولة المفاوضات
وفي تقدير مصادر سياسية، فإن الانسحاب لا بدَّ أن يحصل، لكونه يتصل بالأمن القومي العربي، ولا سيّما بعد التهديدات الإسرائيلية برفض الانسحاب من غزة وسوريا ولبنان.
لكن في ظل الإصرار الدولي على فصل مسار التفاوض اللبناني عن الإيراني، وطالما أن وقف إطلاق النار شرط إيراني غير قابل للنقاش، فمن المحتمل أن ترحّل واشنطن ملف الانسحاب الإسرائيلي إلى طاولة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، بما يعزز موقف الدولة اللبنانية، إذ لا تجد واشنطن مصلحة في منح إيران ورقتين معاً: وقف إطلاق النار والتفاوض على الانسحاب. غير أنَّ بنداً ثالثاً قد يصب في مصلحة لبنان، ويتمثل في التزام أميركي تجاه إيران بعدم العودة إلى الحرب في لبنان.
لبنان يقصد إسلام آباد
وقد سلّمت الدولة بشراكة إسلام آباد، بدليل ما يرشح من اتصالات ومداولات تُنقل تباعاً عن أركان السلطة أو ممثلين عنهم. فحين يقصد قائد الجيش العماد رودولف هيكل إسلام آباد تلبية لدعوة وُجهت إليه قبل شهر من نظيره الباكستاني، فإنَّ الخطوة لا تكون منفصلةً عن رغبة رئيس الجمهورية جوزاف عون في الاطلاع على أجواء المفاوضات التي تقودها إسلام آباد وموقع لبنان ضمنها، فضلاً عن بحث تفاصيل أخرى متعلقة بالجيش ودوره المستقبلي..
كما أن اتصال أحد مستشاريه بالسفير الإيراني، بالتزامن مع قرب إعلان الاتفاق، لا يمكن اعتباره مجرد صدفة، بل يعني أن عون يواكب مفاوضات إسلام آباد ولا يعارض مسارها، خصوصاً بعد تعثر مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، والذي لم يؤمّن أياً من مطالب لبنان.
رسائل ولقاءات بين بعبدا وحزب الله.. هل تكسر البرودة؟
يُضاف إلى ذلك محاولات تقريب المسافات وتخفيف البرودة على خط بعبدا حزب الله. ويلمس المطلعون على خفايا الاتصالات وجود رغبة في إعادة ضخ الحرارة في قنوات التواصل. وبعد الاتصال الذي حصل بين مستشار الرئيس والنائب حسن فضل الله، تم ترتيب لقاء مشترك بينهما قبل يومين في مكتب وسيط مشترك، جرى خلاله البحث في إمكانية زيارة فضل الله إلى بعبدا وتمهيد الطريق أمام تفعيل التواصل مع حزب الله.
وكانت الجلسة بمثابة مصارحة في المواقف والخيارات. وتتحدث معلومات من مصادر موثوقة عن إعادة تفعيل قنوات الاتصال، وهذا ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه اللقاءات تمهّد بالفعل لزيارة قريبة لحزب الله إلى بعبدا، وما إذا كان إعلان وقف إطلاق النار سيعقبه مسار باتجاه لمّ الشمل الداخلي، خصوصاً أن خطاب حزب الله، رغم رفع سقف المواقف، استمر في الدعوة إلى الوحدة الداخلية وتحصين الموقف اللبناني، حتى وإن تجاوز بيان الخارجية الأميركية الذي لم تتبنّه الدولة، وكذلك إعلان المبادئ الأخير الذي لا يبدو وارداً تطبيقه أو الالتزام ببنوده.
ليونة موقف الرئيس عون تجاه حزب الله، ومحاولة الأخير مخاطبة بعبدا عبر رسائل تؤكد الحرص على العلاقة، لا تنفصلان عن سعي الرئاسة الأولى إلى تحسين العلاقة مع إيران وإبداء حسن نية قد يُترجم في خطوات لاحقة. كما أن إيران، وفق المعلومات، ستتعاطى بتفهم مع ملف سفيرها في لبنان، وتسعى إلى إيجاد مخرجٍ مناسب له، ومن بين الطروحات تعيينه مبعوثاً خاصاً لبلاده في لبنان والتعامل معه على هذا الأساس.
ما بعد الاتفاق؟
يتأهّب لبنان لمرحلة ما بعد الاتفاق بين واشنطن وطهران، حيث تكون إيران قد كرّست حضورها في المنطقة بتفاهم أميركي، لكن هذا الحضور سيكون محاطاً بشروط وضوابط. فقد كشف الإعلام العبري عن شروط لمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، أبرزها تجميد إيران مساعداتها لحلفائها في لبنان والعراق واليمن، إضافة إلى المطالبة بسحب سلاح حزب الله في لبنان.
وما يستوجب التوقف عنده أن المرحلة المقبلة ستشهد حضوراً عربياً واسعاً، من خلال الدور القطري الضامن، والدور السعودي، وملف إعادة الإعمار المشروط.
يبقى أن وقف إطلاق النار خطوة ضمن مسار طويل يتوقف على مدى التزام إسرائيل به، وعلى قدرة الولايات المتحدة على كبح الاعتداءات الإسرائيلية، حتى لا يتحول الاتفاق إلى مجرد ورقة يستخدمها بنيامين نتنياهو في انتخاباته المقبلة.
المصدر: المدن






