من يتجرّع الدواء المرّ

عمر العمر

من الممكن ابتدار الحرب، ولكن ليس من اليسير إنهاؤها. للرهان الاميركي الإسرائيلي على الحرب بغية تغيير النظام الايراني جناحان: رهان انفجار الشارع لإطاحة نظام الملالي أو انفجار النظام من الداخل. لا يبدو الأول قريبا والثاني بعيدٌ إن لم يكن مستحيلاً. أمد الحرب رهين بما في قدرة ثالوث القيادة المعيّن لخلافة خامئني إنتاجه سياسيّاً. ستُحدث العمليات الحربية الأميركية الإسرائيلية حتماً تدميراً ماحقاً بالبنى العسكرية الإيرانية. لكن هذا لا يقرّر تحقيق هدف الحرب العاجل. تحت السطح في طهران تتماوج سلسلة من المصالح، الطموحات والمشاعر الوطنية تراوح بين التناسق والتقاطع. لذلك لا بد من ترقّب مدى قدرة المثلث المعيَّن على استكشاف، بل صناعة، اليوم التالي غداة غياب خامئني. في الثالوث القيادي ضلع يمثل السلطة التنفيذية، ضلع يُرمّز السلطة القضائية. يجسّد الضلع الثالث روح الفقيه. يعكس هذا التشكيل غياب الضلع العسكري، فالمرشد، بحكم وضعه، هو القائد الأعلى للمؤسسة العسكرية. هذا ضلع لا يمكن القفز عليه في تحديد سقف الحرب وصناعة اليوم الإيراني التالي. المؤسّسة العسكرية مركز ثقل في النظام الإيراني، داخلها مراكز قوى متصارعة على صناعة القرار.
***
أجيال جديدة وّلدت وشبت وشابت في ظل الجمهورية الإسلامية. موجاتٌ من حركات الرفض والمعارضة تصاعدت في أوقات متباينة في وجه النظام. ولكن الأجنحة المتعارضة، عند مواجهة عدو خارجي، تتجاوز غالباً خلافاتها الداخلية لتشد ظهر الجبهة الداخلية. محاولة رفع الأصوات المعارضة توصَم دوماً بالخيانة الوطنية. لذلك يختار المعارضون على الأقل الصمت والمراقبة. هذا وضعٌ يُضعف انفجار الشارع على نحو يطيح نظام الملالي. مثل كل الأنظمة التوتاليتارية، تمكّنت الجمهورية الاسلامية الاستبدادية من بناء شبكاتٍ واسعةٍ قوامها أصحاب المصالح والمستفيدين من المفسِدين والمفسَدين. هذا عامل آخر يوهن الرهان على الشارع الايراني. هناك عديد من التنظيمات، المؤسّسات والتشكيلات المدنية والعسكرية المزدهرة المكونة قوام الدولة العميقة، كلها تتمتع بالقدرة على قمع كل الأصوات المعارضة، دفاعاً عن وجودها قبل مصالحها. هذا ثقل يرجّح إخفاق الرهان على انفجار الشارع.
***
تنعكس هذه الخلفية المعقدة حتماً على مثلث القيادة غير مكتمل التكوين لغياب البعد العسكري كما لو أنه مولود قيصري وربما سفاح. إذ لم يدرك العالم من أخرجه إلى الوجود، فالبيانات تقول بتعيين الثالوت من دون توضيح الأب الوالد. يتطلب الانكسار الوطني دوما شخصية قيادية ذات كاريزما طاغية وشجاعة نادرة، من أجل اتخاذ القرار المناسب، بغية تجاوز حالة الانكسار. يدفع المأزق الإيراني ثالوث القيادة إلى التنافر أكثر من التناغم، فهو يغري بركوب موجة التطرّف حفاظاً على روح الإمام أو نهج النظام، حتى إن لم يفضح نيات تحقيق شعبية البقاء على قمة الهرم. الطوابير المدجّنة تحت عباءة الإمام متأهبة لوصم كل تنازل عن ثوابت النظام خيانةً للوطن، وطعناً في ظهر الشعب. تفرض الخلفية المعقدة نفسها التراخي على درب تنصيب المرشد البديل. النخبة على منصّة الترشيح لا تعزّز ظهور شخصية بمؤهلات قيادة الدولة الايرانية المهشّمة.
المؤسّسة العسكرية مركز ثقل في النظام الإيراني، داخلها مراكز قوى متصارعة على صناعة القرار
***
من الصعب ان لم يكن مستحيلا بروز قيادي يستعيد دور الخميني، عندما قبل توقيع اتفاق السلام مع العراق لإنهاء حرب السنوات الثماني في ثمانينيات القرن الفائت. انصاع الإمام المؤسّس للضغوط الداخلية والخارجية، فقبل طائعاً اتفاق السلام. تلك خطوة معاكسة تماماً لطموحات الإمام ووهج الثورة وقتئذٍ، فالحرب التهمت وافراً من شباب إيران وخيراتها. ذلك خيار ثقيل على الإمام المرشد الأعلى وقائد الثورة. لذلك وصفه الخميني بتجرّع الدواء المرّ. وحده الخميني كان القادر على تناول ذلك الدواء في تلك الظروف، غير آبهٍ بردّة الفعل الداخلية. رغم مرارته على المستوى الشخصي، إلا أنه كان شفاء على الصعيد الوطني.
***
رأى الخميني حتمية الرجوع إلى التصالح مع الشعب ومع الجغرافيا السياسية، فانكفأ من تصدير الثورة إلى تثبيت النظام. على نقيضه، يذهب القادة الحاليون في طهران إلى حماقاتٍ لا تقف فقط عند الانسلاخ عن الشعب وهذه الجغرافيا، بل يتوغلون في الحرب عليهما. يجعل هذا التوغل من الصعب الرهان على عقلية تعود إلى التصالح مع المحيطين، الوطني والإقليمي، خصوصاً مع رفع شعارات الكرامة والسيادة والوجود. هذه حماقات تفضي حتماً إلى تدمير بنى الدولة وتفكّكها وتعاسة شعبها. إنه شعبٌ يجبره قادته على تجرّع البؤس يومياً. لذلك يبدو توقع بروز سياسي يغامر لإعادة الساعة الإيرانية إلى الوراء رهاناً خائباً، لكنه ليس مستحيلاً، ففي زمن الجنون الراهن، ربما يخرُج من بين أنقاض الدولة في طهران مغامرٌ يحاول وقف الخراب. ربما يتناول كأسا من السمّ بالمذاق الشخصي، لكنّ فيها شفاء للدولة، للشعب والوطن.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى