تونس بين الخطاب والواقع

بشار نرش

حين تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش لا يعود الخلاف سياسياً فحسب، بل يتحوّل إلى صراع بين صورتين للدولة، الأولى صورة الدولة كما تُقدّم في خطاب السلطة، والثانية صورة الدولة كما يعيشها المواطن في تفاصيل يومه. وفي الحالة التونسية الراهنة، يبدو هذا التناقض صارخاً بين ما طرحه وما يزال يطرحه الرئيس التونسي قيس سعيّد من تصوّرات عن “تصحيح المسار” و”إرادة الشعب”، وبين واقع سياسي واقتصادي واجتماعي يزداد تعقيداً وسوءاً. فمنذ إجراءاته في 25 يوليو/ تموز 2021، والتي شملت عزل الحكومة وحل البرلمان وتعليق العمل بالدستور وحلّ مجلس القضاء الأعلى وغيرها من إجراءات، دخلت تونس مرحلة سياسية جديدة تقوم على إعادة تعريف الدولة انطلاقاً من رؤية فردية للسلطة، لا من توازن مؤسساتها. ومنذ تلك اللحظة، بدأ يتشكّل كيان سياسي في تونس أقرب إلى “الدولة المتخيّلة” منه إلى الدولة الجمهورية التي عرفها التونسيون بعد ثورة 2011.
لم تعد الدولة في هذا التصوّر منظومة مؤسسات متكاملة تقوم على الفصل بين السلطات والرقابة المتبادلة، بل تحوّلت إلى بنية تتمحور حول مركز قرار واحد يختزل الشرعية في علاقة مباشرة بين الرئيس والشعب، متجاوزاً الأطر التمثيلية والوسائط السياسية. وضمن هذا السياق، جاء دستور 2022 الذي فُرِضَ باستفتاء ضعيف المشاركة، ليكرّس هذا التحوّل، ولا سيما أنّه أعطى الرئيس سلطات واسعة بلا رقابة فعليّة، وحوّل الحكومات المتعاقبة إلى مجرّد أشباح متلاحقة لا تفتقد فقط الكفاءة والخبرة، وإنّما أيضاً مسلوبة الصلاحيات وسلطة المبادرة، التي يحتكرها الرئيس بالكامل، في حين حوّل البرلمان إلى مؤسّسة شكليّة لا تملك أي سلطة لا تشريعية ولا رقابية، وإنّما مجرّد مجلس للمصادقة على التشريعات التي يقترحها الرئيس، وأفرغ مبدأ الفصل بين السلطات من مضمونه العملي، ما جعل من أي عودةٍ إلى الديمقراطية مشروطة، أولاً، بإعادة النظر في هذا الإطار الدستوري نفسه الذي أعاد هندسة النظام السياسي على قاعدة التركيز لا التوزان. غير أنّ هذا التحوّل لم يكن دستورياً فحسب، بل رمزياً وسياسياً أيضاً، فقد جرى تجريد الثورة من رمزيّتها باعتبارها لحظة تأسيس ديمقراطي، وتبخيس السياسة بوصفها أداة للتغيير السلمي وتصويرها بشكل دائم حيّز فساد وتآمر، إلى جانب تدجين المجتمع باسم الأمن والسيادة الوطنية عبر خطاب يُحمّل كل اعتراض شبهة الارتهان أو الخيانة، فهناك دائماً أعداء ومؤامرات ودائماً تطهير مؤجّل. ومن يتابع الخطاب السياسي لقيس سعيّد منذ وصوله إلى قصر قرطاج يلحظ أنّه لا يكاد يخلو من مفردات التآمر والمندسّين والخونة والعملاء، وهي مفرداتٌ يجري توظيفها لتبرير الاعتقالات، بدلاً من الاعتراف بفشل السياسات أو مراجعة الأداء الحكومي.
لا يكاد يخلو أي خطاب لقيس سعيّد من مفردات التآمر والمندسّين والخونة والعملاء
لافت أكثر أيضاً أنّ سعيّد منذ تسلّمه الحكم استند في مشروعه هذا إلى تصوّر مثالي عن الشعب المظلوم في مواجهة المنظومة الفاسدة المتأمرة، غير أنّ هذا التقسيم الثنائي، رغم جاذبيّته الشعبوية، لم يترجم إلى أي تحسّن ملموس في حياة المواطنين، بل تفاقمت الأزمات الاقتصادية وتراجعت القدرة الشرائية وتزايدت الضغوط الاجتماعية واتسعت دائرة القلق حيال المستقبل. والمقلق أكثر في كل ما يجري في تونس اليوم انعدام أي أفق سياسي بديل، فقيس سعيّد، الذي بنى مشروعيّته على خطاب مناهض للنخب والأحزاب والمؤسّسات، لم يقدّم مشروعاً اقتصادياً واضحاً، ولا إصلاحاً إدارياً ملموساً، ولا سياسة خارجية متماسكة، بل اكتفى بإنتاج سردياتٍ شعبويةٍ تُلقي اللوم على الآخرين، وتُبرّر الفشل بالتآمر والخصوم.
ومن ثم، الدولة التي وُعِدَ التونسيون بأنّها ستكون أكثر نجاعة وديمقراطية، تبدو اليوم أقل قدرة على تقديم حلول بنيوية لأزماتها المزمنة، وأكثر انشغالاً بإدارة معاركها السياسية المفتوحة مع خصوم يتبدّلون في الخطاب ولا يتراجع حضورهم في السردية الرسمية، ما عمّق التناقض بين الدولة كما يرسمها المخيال الرئاسي، باعتبارها دولة متجانسة ومعبّأة خلف قيادة الرئيس وتتماهى مع إرادته باعتباره المعبّر الأصدق عن الشعب، والدولة الفعلية التي يختبرها التونسيون يومياً من خلال غلاء الأسعار وندرة المواد وتراجع الخدمات وارتباك في السياسات المالية وتكميم الأفواه والاعتقالات والملاحقات.
ختاماً، يمكن القول إنّ أخطر ما في المرحلة الراهنة في تونس ليس التراجع الديمقراطي في حدّ ذاته، بل محاولة سعيّد اختزال الدولة بخطاب شعبوي يستدعي الشعب في مواجهة المنظومة من دون أن يكون لديه القدرة على إنتاج سياسات عمومية ناجعة ومؤسسات فاعلة وتحويل الوعود إلى واقع وإدارة الأزمات بعقل مؤسّسي لا بانفعال شعبوي، وأي مشروع لا يعيد الاعتبار لهذا المعنى سيظل أسير سرديّته مهما ادّعى تمثيل الشعب واحتكار الحديث باسمه.
المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى