البرلمان التركي أمام اختبار “تركيا بلا إرهاب”

سمير صالحة

شكّل الملف الكردي بما حمله من كلفة ثقيلة على مدى أربعة عقود أحد أكثر التحديات تعقيداً في الحياة السياسية والأمنية التركية، وانتقلت نقاشات الملف بكل تشعباته الأمنية والسياسية والقانونية إلى مرحلة جديدة بعدما قرر “حزب العمال الكردستاني” حل نفسه وترك خيار السلاح الذي تبناه طوال أربعة عقود ونيف معلناً قبوله دعم مسار سياسي – حزبي جديد.
فبعد عقود من المواجهة الأمنية والتجاذبات السياسية، تذهب الأمور باتجاه حقبة مختلفة عنوانها تحرير المشهد السياسي من دائرة المواجهة إلى فضاء الحلحلة التشريعية تحت سقف المؤسسات. وتنجز القوى السياسية والحزبية التركية المرحلة الثانية من “عملية السلام” التي بدأت في تشرين الأول 2024 وتبعها تشكيل “لجنة السلام والمصالحة الوطنية” البرلمانية بمهمة إعداد تقرير مفصل حول خريطة الطريق المقترحة للتعامل مع الملف الكردي بكل تفرعاته.
وهنا يتقدم البرلمان التركي إلى الواجهة بوصفه المكان التشريعي القادر على إدارة التحول وفتح الطريق أمام معالجة سياسية ودستورية توفر الاستقرار الداخلي لملف مرتبط بكثير من التحديات الخارجية.
هو اختبار للقدرة على تحويل سنوات من الحرب على إرهاب حزب العمال إلى فرصة تشريع أو مراجعة قوانين تؤسس لخريطة طريق جديدة كما تقول القيادات، والمهمة سيتولاها البرلمان التركي هذه المرة: إما البناء على هذه اللحظة التاريخية لتثبيت السلام والديمقراطية، أو مواصلة الانزلاق في دوامة الأزمة نفسها.
حملت اللجنة البرلمانية على عاتقها مهمة جمع الرؤى السياسية والقانونية والاجتماعية في تقرير متكامل استمر العمل عليه أكثر من خمسة أشهر، وشمل 21 اجتماعاً والاستماع إلى 178 شخصية من الوزراء والمسؤولين والأكاديميين وممثلي المجتمع المدني، بما في ذلك زيارة عبد الله أوجلان في سجنه، للوصول إلى صورة شاملة عن الواقع وسبل المعالجة.
لم يكتف التقرير، المؤلف من 62 صفحة والموزع على سبعة فصول، بتوصيف المشكلات، بل قدم خريطة طريق واضحة: تعديلات قانونية ترافق نزع السلاح، مراجعة التشريعات الحالية بما يتوافق مع أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وطرح مصير أعضاء حزب العمال وأسرهم في الخارج. كما تناول التقرير تعزيز الديمقراطية وإزالة العوائق أمام الحقوق والحريات الأساسية، مع طرح ضرورة وضع صيغ قانونية جديدة لمسألة تعيين الوكلاء في البلديات.
يبين التقرير بوضوح أن العملية التشريعية ليست مجرد تمرير قوانين، بل إعادة بناء للثقة بين المؤسسات والمجتمع، وتحويل تجربة الصراع الطويلة إلى قاعدة للاستقرار الوطني. فهو لا يكتفي بتقديم حلول نظرية، بل يرسم إطاراً عملياً لتحويل التوصيات إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، بما يراعي توازن القوى السياسية ويمنع عودة الأزمة إلى دائرة المواجهة، واضعاً بذلك خريطة طريق نحو استقرار أمني وسياسي واجتماعي راسخ.
لا يمكن فهم الملف الكردي في تركيا بمعزل عن السياق الإقليمي، حيث تتشابك الملفات السورية والعراقية مع مصالح دول متعددة وتوازنات دقيقة. نجاح التشريع الداخلي لا يعني استقراراً محلياً فقط، بل يعكس قدرة تركيا على إدارة التحديات الإقليمية وتعزيز موقعها الاستراتيجي.
رغم التقدم الذي يمثله تقرير اللجنة، يظل موقف حزب “المساواة وديمقراطية الشعوب” (ديم) وعبد الله أوجلان محوراً حساساً يعكس التحديات البنيوية للمرحلة المقبلة. الحزب يرفض، من خلال جملة من التحفظات، توصيف القضية على أنها مسألة إرهاب، ويشدّد على الحقوق الثقافية مثل حق التعليم باللغة الكردية، ويطالب بتحسين شروط اعتقال أوجلان ومنحه وضعاً قانونياً خاصاً، إلى جانب برامج عفو وضمانات قانونية لأعضاء الحزب وعائلاتهم. من هنا تشكل هذه المواقف اختباراً حقيقياً لجدية المسار ومدى قدرة البرلمان على النجاح في التوفيق بين أكثر من طلب واقتراح وصيغة.
لا يمكن فهم الملف الكردي في تركيا بمعزل عن السياق الإقليمي، حيث تتشابك الملفات السورية والعراقية مع مصالح دول متعددة وتوازنات دقيقة. نجاح التشريع الداخلي لا يعني استقراراً محلياً فقط، بل يعكس قدرة تركيا على إدارة التحديات الإقليمية وتعزيز موقعها الاستراتيجي.
من البناء إلى الإحياء، ومن التشريع إلى التمكين، يصبح البرلمان بوصفه الجهة التشريعية المسؤولة عن تحويل التوصيات إلى قوانين عنصر قوة يربط بين الاستقرار الداخلي وتعزيز الدور التركي في المنطقة. بهذا الشكل، تتضح الرؤية الاستراتيجية: تشريع قادر على تحقيق السلام الدائم داخل البلاد، وفي الوقت نفسه وضع الدولة في موقع قوة على الصعيدين الإقليمي والدولي.
تحديات البرلمان متعددة: من جهة، هناك الحاجة إلى دمج كافة الأطراف في مشروع سياسي وطني، ومن جهة أخرى، الحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها. لذلك، نجاح البرلمان لا يُقاس بتمرير النصوص فحسب، بل بقدرته على تثبيت الثقة وتعزيز دور المؤسسات وترسيخ استقرار داخلي ديمقراطي طويل الأمد.
يحوّل نجاح البرلمان في مهمته أزمة تراكمت ارتداداتها وتكلفتها لعقود إلى فرصة لإعادة البناء الوطني والاستقرار السياسي والاجتماي والاقتصادي. التحديات كبيرة، لكنها مصحوبة بالفرص: تعزيز المسار الديمقراطي، وفتح صفحة جديدة من العلاقة بين الدولة والمكون الكردي بعد غلق ملف حزب العمال، وبناء هيكلية داخلية تمنح تركيا القدرة على إدارة ملفاتها الوطنية والإقليمية بثقة وقوة.
من رسائل دولت بهشلي لقيادات حزب “ديم”، إلى تفاعل عبد الله أوجلان من سجنه في جزيرة “إيمرالي”، ثم تشكيل اللجنة البرلمانية وتقديم توصياتها. كل خطوة صممت لتكون فرصة لتدخل البرلمان للإمساك بزمام الأمور نحو دمج كل الأطراف في مشروع وطني موحد.
نحن أمام لحظة مفصلية تختبر قدرة القوى الحزبية التركية على الانتقال بالملف الكردي من دائرة الأمن إلى فضاء السياسة ومنطق المعالجة البنيوية.
التشريع الذي سيخرج من تحت قبة مجلس الأمة التركي الكبير لن يكون مجرد نصوص قانونية، بل سيكون إعادة تعريف لعقد اجتماعي ينتظره الجميع.
لم يلبِّ التقرير طموحات أوجلان وقيادات حزب “ديم” في مسائل العفو العام أو مصير عبد الله أوجلان الذي ينتظر “حق الأمل” أو إطلاق سراح سجناء حزب العمال، لكنه يكشف أن زمن الأحلام المؤجلة تراجع لصالح الواقع الجديد. لحظة اليوم أبعد من أن تكون مجرد منعطف سياسي أو حزبي، بل بداية انطلاقة جديدة تحت عنوان “تركيا بلا إرهاب” يتم توسيع رقعتها لتتحول إلى “منطقة بلا إرهاب “.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى