دبلوماسية “أهل الثقة” وإدارة السياسة الخارجية السورية

مالك الحافظ

تشهد وزارة الخارجية السورية في السلطة الانتقالية مساراً واضحاً لإعادة تشكيل بعثاتها الدبلوماسية، يقوم على إسناد إدارات الشؤون السياسية في عدة عواصم مؤثّرة إلى طاقم متقارب في خلفياته السياسية ومساراته الوظيفية. هذا المسار يقتضي قراءةً دقيقةً باعتباره خياراً سياسياً متكاملاً، تتجاوز دلالاته الأسماء الفردية لتطاول التصوّر الذي يحكم إدارة السياسة الخارجية في هذه المرحلة.
يُعدّ التمثيل الدبلوماسي، بحكم موقعه ووظيفته، من أكثر واجهات الدولة حساسية، إذ تتحرّك السفارات والبعثات والهيئات التمثيلية الخارجية ضمن بيئات مؤسّسية معقّدة، وشبكات مصالح متداخلة، ونقاط تماس يومي مع أنظمة سياسية متعدّدة. واختيار الكوادر المكلّفة بإدارة هذا التمثيل يعكس تصوّر السلطة لمفهوم الدولة، ويحدّد نطاق الحركة المتاح لممثّليها في الخارج، ويكشف مستوى الثقة بالتنوّع المهني والفكري داخل مؤسّساتها. وفي أدبيات علم السياسة المقارن، تميل السلطات الانتقالية في مراحلها الأولى إلى تضييق دوائر القرار بهدف ضبط إيقاع التحوّل، ويظهر هذا التوجّه بوضوح في القطاعات الحسّاسة، لا سيّما الأمن والسياسة الخارجية. ويفضي استمرار هذا النمط إلى تكريس ما يُعرف بـ”الانتقال المؤجَّل”، إذ تستقرّ المؤسّسات داخل منطق مرحلي سرعان ما يتحوّل إلى أسلوب دائم في الإدارة.
يظهر في التعيينات، أخيراً، المرتبطة بإعادة هيكلة البعثات الدبلوماسية، اعتماد نموذج إداري واحد عُمّم على سفارات عدة، مع حضور مكثّف لشخصيات تدرّجت ضمن الإطار نفسه الذي شكّل الأمانة العامة للشؤون السياسية، وتولّى إدارة الشؤون العامة في إدلب خلال فترة حكم هيئة تحرير الشام في سنوات سابقة. تشكّلت هذه الخبرة داخل بيئة سياسية محدّدة، وانعكست مباشرة على طبيعة التمثيل الخارجي. في هذا السياق، يُمنح الانسجام الداخلي موقعاً مركزياً في آلية اتخاذ القرار المتعلّق بالسياسة الخارجية، ليتحوّل إلى معيار حاكم تتراجع أمامه اعتبارات التنوّع في الخبرة والكفاءة والخلفية الأكاديمية، وكذلك القدرة على إدارة ملفّات متعدّدة المستويات والتعامل مع سياقات سياسية متباينة.
اختيار الكوادر المكلّفة بإدارة التمثيل الدبلوماسي يعكس تصوّر السلطة لمفهوم الدولة
يُدرج هذا النمط من التعيينات في أدبيات التمثيل الدبلوماسي ضمن ما يُعرف بـ”التسييس الوظيفي”، أي إخضاع جهاز يُفترض أن يعمل بمنطق الدولة لاعتبارات السلطة المباشرة. في المقابل، تتعامل الأدبيات المقارنة مع الدبلوماسية بوصفها جهازاً شبه مستقلّ داخل بنية الدولة، يتمتّع بهامش مهني يتيح له إدارة التناقضات الخارجية بعيداً عن الاستقطاب الداخلي. لذا فإن تقليص هذا الهامش عبر تعميم لون سياسي واحد يضعف الوظيفة التمثيلية للبعثات، ويعيد تعريف دورها ضمن منطق الضبط، وليس ضمن إدارة العلاقات الدولية.
في العواصم الكبرى، تُقاس فعّالية البعثات بقدرتها على قراءة التحوّلات، والتقاط الإشارات المبكّرة، وبناء قنوات تواصل مع أطراف متعدّدة داخل الدولة المضيفة. العمل السياسي داخل السفارات يستدعي مهارات تتجاوز الالتزام التنظيمي، لتشمل فهماً معمّقاً لتوازنات القوى، وللغة المصالح، ولآليات صنع القرار غير المعلَنة، ومع تشابه التكوين السياسي والمهني للبعثات، تضيق مساحة المقاربة، ويغدو الأداء محكوماً بسقف واحد من الرؤية والخبرة. يحمل هذا الخيار دلالةً واضحةً في الخارج، تتصل بطريقة تفكير الدولة في إدارة علاقاتها الدولية. هذه الدلالة تتشكّل عبر سلوك البعثات، وحدود مبادرتها، وطبيعة الشبكات التي تنسجها. العواصم المؤثّرة تتابع هذه المؤشّرات بدقّة، وتبني على أساسها تقديراً لطبيعة الشريك الذي تتعامل معه، ولمستوى قدرته على استيعاب التعقيد، واتخاذ قرارات مرنة، والتفاعل مع بيئات سياسية متغيّرة.
يعكس التركيز في الانسجام السياسي داخل التمثيل الدبلوماسي تصوّراً للسياسة الخارجية بوصفها مجالاً مضبوط الإيقاع، محدود المخاطر، محكوماً بسلسلة تعليمات واضحة. هذا التصوّر يضيّق هامش الحركة، ويعيد تعريف العمل الدبلوماسي وظيفةً إداريةً موسّعة. وفي السياق الدولي الراهن، حيث تتداخل الملفّات الاقتصادية والأمنية والسياسية، وتتحرّك الدول ضمن تحالفات مرنة وشراكات متغيّرة، تبرز القدرة على التكيّف عنصراً حاسماً في بناء حضور فعّال.
في إطار نظريات الدولة، يندرج هذا المسار ضمن ما يُعرف بـ”مركزية القرار الخارجي”، فتُدار السياسة الخارجية امتداداً مباشراً للسلطة التنفيذية مع تقليص أدوار الأجهزة المهنية. هذا النموذج يضعف القدرة التحليلية داخل البعثات، ويحدّ من إنتاج المعرفة السياسية الميدانية، ويجعل القرار الخارجي محكوماً بقنوات ضيّقة من المعلومات والتقدير.
تُقاس فعّالية البعثات الدبلوماسية بقدرتها على التقاط الإشارات المبكّرة، وبناء قنوات تواصل متعدّدة داخل الدولة المضيفة
في السنوات الماضية من عمر الاتحاد السوفييتي، أظهرت الوثائق اللاحقة ومحاضر اللجنة المركزية المحفوظة في أرشيفات الحزب الشيوعي السوفييتي (فُتحت بعد عام 1991)، إلى جانب مذكّرات دبلوماسيين سوفييت سابقين مثل أناتولي دوبريينين، أن جهاز الخارجية كان من أكثر مؤسّسات الدولة تضرّراً من هيمنة التعيينات العقائدية. جرى اختيار السفراء وكبار موظّفي البعثات على أساس الالتزام الحزبي والانضباط الأيديولوجي، ما أفضى إلى تقارير خارجية متشابهة في اللغة والتقدير، وأسهم في سوء تقدير تحوّلات أوروبا الشرقية، وتأخّر موسكو في استيعاب سرعة تفكّك منظومة حلف وارسو.
يمتدّ التمثيل الدبلوماسي في العواصم الكبرى إلى ما يتجاوز القنوات الرسمية، ليشمل شبكة واسعة من الفاعلين غير الحكوميين، من مراكز أبحاث، ودوائر إعلامية، ومؤسّسات اقتصادية، ونُخب سياسية غير تنفيذية. التعامل مع هذه الشبكات يتطلّب تنوّعاً في الخلفيات، وقدرة على العمل خارج القوالب الصلبة. في غياب هذا التنوّع، تتراجع قدرة السفارة على بناء نفوذ غير مباشر، ويضعف حضورها في دوائر التأثير طويلة الأمد.
في أدبيات العلاقات الدولية، يُعتبر السلك الدبلوماسي جزءاً من “الجهاز الإدراكي للدولة”. فالسفارات تنتج معرفةً تتكوّن عبر التفاعل اليومي مع الفاعلين الدوليين، وتحليل الاتجاهات السياسية، وتقدير موازين القوى. وحصر هذا الجهاز في مسار مهني وسياسي واحد يفضي إلى بناء القرار الخارجي على قراءة أحادية للمشهد الدولي. وتشير دراسات الحوكمة الانتقالية إلى أنّ بناء الثقة الدولية يرتبط بأنماط التمثيل المؤسّسي بقدر ارتباطه بالخطاب السياسي. في هذا الإطار، تُقرأ التعيينات الدبلوماسية خارجياً بوصفها إشارات بنيوية تعكس طبيعة توزيع السلطة داخل الدولة وحدود الاستقلال المهني لمؤسّساتها، وضمن هذا السياق، يتحوّل التمثيل الخارجي إلى أداة قياس دقيقة لتوازنات الداخل، ومؤشّر يُستند إليه في تقدير اتجاهات الحكم واستقراره.
تترك إدارة السياسة الخارجية السورية أثرها في قدرة الدولة على إنتاج معرفة سياسية
بعد نهاية نظام الفصل العنصري، واجهت حكومة نيلسون مانديلا تحدّياً مباشراً في إعادة تنظيم جهاز الخارجية. تشير الوثائق الرسمية لوزارة العلاقات الدولية في جنوب أفريقيا إلى قرارٍ بعدم تفكيك السلك الدبلوماسي القائم، مع دمجه بكوادر جديدة من المؤتمر الوطني الأفريقي وخبرات مستقلّة. هذا التوازن جاء استجابة لضغوط دولية تطالب بجهاز قادر على التفاعل مع عواصم متباينة التوجّه. ويُدرَّس هذا النموذج في أدبيات التحوّل الديمقراطي باعتباره مثالاً على إدارة الانتقال في التمثيل الخارجي دون تعطّل مؤسّسي. في حين تشير وقائع موثّقة في تقارير معهد الشؤون الدولية البولندي (PISM) وأرشيف وزارة الخارجية التشيكية إلى أن بولندا وتشيكوسلوفاكيا (سابقاً) اتجهتا، في مراحل ما بعد التحوّل، إلى تنقية السلك الدبلوماسي من كوادر الحقبة السابقة. هذا المسار أفضى في بداياته إلى فراغ معرفي داخل السفارات، قبل أن تضطر الحكومات لاحقاً إلى إعادة الاستعانة بدبلوماسيين سابقين بصفات استشارية، نتيجة ضعف المعرفة المؤسّسية لدى الكوادر الجديدة.
في المحصلة، تضع هذه المقاربة مسألة التمثيل الدبلوماسي السوري في صلب النقاش حول طبيعة الدولة التي تتشكّل في المرحلة الانتقالية، وحدود الفصل بين منطق السلطة ومنطق المؤسّسة. تكشف إدارة السياسة الخارجية عبر أنماط تمثيل متجانسة تصوّراً محدّداً لدور الدبلوماسية ووظيفتها في سورية الجديدة، وتترك أثرها في قدرة الدولة على إنتاج معرفة سياسية متعدّدة المصادر، وعلى مرونتها في التفاعل مع بيئة دولية شديدة التغيّر. هذا الأثر لا يظهر فوراً، بل يتراكم مع الزمن، ويُختبر في مراحل التحوّل الحاسمة التي تتجاوز الأسماء إلى بنية القرار نفسها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى