الفجوة الحضارية ودلالات جزيرة إبستين

جمال الشوفي

إن كان ثمة فجوة حضارية تتسع وتزداد باطراد بين القيم الأخلاقية والتقدم العلمي وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، فإن ملفات إبستين تكشف مدى تراجع الأخلاق أمام فورة المال وأصحاب النفوذ العالمي. فالمعمورة اليوم تترنح أمام تراجع وتعرّي الأخلاق الكونية تحت سطوة التفوق المادي والتقني وعصر الصفقات السياسية والشخصية التي تسترخص الكرامة الإنسانية على حساب المنظومة الأخلاقية برمتها.
الحضارة ليست عمرانًا ماديًا وحسب، بل هي ذلك التوازن والتكامل بين العمران والبنيان الأخلاقي والثقافي لكل عصر. وما إن يفقد أحد جناحيها حتى تختل وتفقد اتزانها، متحولةً من حضارة إلى إمبراطورية قوة، وإن لم تكن اليوم بمعناها التقليدي، بل بمعنى إمبراطورية التقنية وفورة النزوات البشرية المنحرفة.
فالحضارة، حسب مالك بن نبي، هي: «مجموعة الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يقدّم لكل فرد من أعضائه مساعدةً على تحقيق ذاته». وتحقيق الذات هو خلاصة هرم ماسلو في الاحتياجات؛ حيث تكون قاعدته الحاجات المادية والأمان كشروط موضوعية لأي استقرار، لكنها لا تكتمل إلا بتحقيق الذات قيميًا وأخلاقيًا وثقافيًا. وهذا جدل فلسفي واسع وموقف أخلاقي وثقافي يحاول الوقوف على قدميه في ظل ما تعيشه المعمورة من تراجع قيمي يصعب نقاشه تفصيلًا في مقال رأي.
لا يبدو العالم وقد تخلّى عن الأخلاق كليًا، بقدر ما يبدو أن سياسات القرن الحادي والعشرين تسعى إلى إعادة ترتيب أولوياتها على نحو لم تعد فيه القيم قادرة على تشكيل الأرضية الواقعية للتوازن والسلام.
شهد مطلع الألفية الثالثة تراجعًا في قدرة الأخلاق على الحدّ من مفاعيل الصراع والاستحواذ بالقوة العسكرية والمادية على مجتمعاتنا، ويشهد اليوم انكشاف قدرة صُنّاع السياسة العالمية على ممارسة تردي الأخلاق والتحكم بمصير الأجيال. وملفات إبستين ليست سوى دليل من بين الآلاف، وما خفي كان أعظم.
فرغم أن الأخلاق لم تغب عن الخطاب الإنساني، ولم تفقد مضمونها القيمي، فهي موجودة نظريًا في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وفي العديد من المنظمات الدولية التي تعمل وفقها، كـ«هيومن رايتس ووتش» وغيرها، إلا أن المعايير الإنسانية الأخلاقية باتت غير قادرة على مقارعة التفوق المادي والتقني والنزوات البشرية التي تعيد تشكيل العالم وفق منطق السطوة والهيمنة وسواد منطق الربح، كنتيجة مستخلصة من خوارزميات الذكاء الاصطناعي ومعايير دون إنسانية.
فما شهدته العراق، ثم سوريا، وما عاشته دول الربيع العربي، وما تعيشه غزة اليوم، يظهر حجم تفوق المصالح المادية على حساب الشعوب والقيم الإنسانية برمتها، رغم ملفات الجرائم الإنسانية المكتظة. وهذا ما يدل على اتساع الفجوة الحضارية لصالح عالم الهيمنة المادية الساحق، بل إن ثمة ما يهدد سلام الكوكب وأمنه.
إن تراجع قوة الأخلاق أمام فورة الهيمنة والقوة المادية شواهده عديدة تصلح لكتب ومؤلفات. فقد ظلت الأخلاق، لعقود طويلة، تُقدَّم بوصفها إطارًا جامعًا يحكم السلوك الإنساني والدولي، غير أن الأزمات المتراكمة والصراعات المتشكلة في حاضرنا كشفت هشاشة القيم الأخلاقية وضعفها حين تصطدم بالمصلحة، فكيف إذا تعلّق الأمر بمصالح الدول الكبرى؟ وكأن انزياحًا كونيًا قد حدث عن القيم الإنسانية لصالح القيم المادية المعمَّمة عالميًا، وعنوانها: إدارة المصالح الفردية والعالمية وثقافة الأتمتة، بعيدًا عن المحتوى الأخلاقي بوصفه فعلًا حضاريًا.
في حاضر اليوم، قد نشهد صفقة أميركية جديدة مع النظام الإيراني الذي ترنّح أمام مظاهرات شعبه المتكررة والطامحة إلى الحرية والكرامة. وقد تحدثت تقارير عن مقتل ما يزيد على 12 ألف إيراني في احتجاجاته الأخيرة. وقد تنشب حرب إقليمية كبرى تهدد الشرق الأوسط برمته، تنفيذًا لشهوة السطوة الإيرانية للهيمنة على المنطقة عبر بحر من الدماء وتهديد أمن الخليج والشرق عمومًا.
في المقابل، فإن الولايات المتحدة، التي شهدت وسمحت — وفق معطيات عديدة — بهذا التمدد الإيراني في العراق وسوريا واليمن ولبنان وغزة، وفتحت له المساحات الواسعة للتمدد دون لجم أو إلزام بالتوقف، تريد اليوم إحكام قبضتها على المنطقة برمتها. والسؤال: ألم يكن بالإمكان منع هذه الفورة الإيرانية قبل حدوثها؟ أم أن استثمارها السابق في إدارة حروب المنطقة يُراد حسمه اليوم لصالح إعادة التموضع الأميركي في الشرق وعلى حساب شعوب المنطقة؟
ألم يشهد العالم حجم الجريمة التي ارتُكبت في غزة؟ ففيها بلغ الانكشاف الأخلاقي ذروته، حيث لم يكن المشهد مجرد مواجهة عسكرية بين حماس وإسرائيل، بل اختبارًا علنيًا لمفهوم إنسانية الإنسان وقيمته الحضارية. فقد استُهدف المدنيون الذين زاد عدد ضحاياهم على 70 ألفًا، ودُمّرت البنية الحياتية والتحتية، وترافق ذلك مع حصار شامل لعامين متتاليين.
واليوم، وبعد مرور أربعة أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار، ما يزال سكان غزة وفلسطين عمومًا يُعاملون بمعايير المصالح المتحركة؛ فمرة تُدان الجرائم إعلاميًا، وحينًا آخر تُبرَّر، تبعًا لموقع الفاعل في ميزان القوة ومدى المصالح المتحققة من خلفه. وكأن الأخلاق بند قابل للتأجيل عند تعارضه مع المصالح والضرورات الأمنية الخاصة بشعب دون آخر. وإلا، فلماذا يتم تأجيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية ووقف مساعدة إسرائيل في حربها المدمرة وتجاوزاتها المتعددة في فلسطين وسوريا وربما غيرهما؟
لا يبدو العالم وقد تخلّى عن الأخلاق كليًا، بقدر ما يبدو أن سياسات القرن الحادي والعشرين تسعى إلى إعادة ترتيب أولوياتها على نحو لم تعد فيه القيم قادرة على تشكيل الأرضية الواقعية للتوازن والسلام. فحين يتفوق ما هو تقني ومادي ومنفعي مجتزأ لصالح أفراد على حساب كل ما هو إنساني وقيمي، لا تختفي الأخلاق، بل تتعرّى وتُدفع إلى الهامش، وتُختبر في أقسى صورها. ليصبح الصراع معيارًا كاشفًا للقيم الحضارية والأخلاقية التي نعيشها: في غزة، في سوريا، في الشرق العربي وحواضره ومدنه، وصولًا إلى أوكرانيا في قلب أوروبا، وبين حناياها الأطفال والقاصرات في ملفات إبستين.
كيف يمكن للأخلاق أن تستعيد مكانتها بموازاة التفوق التقني والمالي؟ وهل سيواصل العالم دفع ثمن غطرسة القوة وشذوذ بعض صُنّاع قراره العالمي؟
الفجوة الحضارية تتسع، وانحسار القيم نذير شر عالمي. وما تحوّل البشر والشعوب إلى سلعة للتجارة وتسويق الرغبات إلا مؤشر إنذار عالٍ على أتمتة البشر ماديًا وتقنيًا على حساب حرياتهم ومصائرهم. ففي حرب المصالح لا يُنكر الألم، لكنه يُحتسب ضمن سلة الكلفة المتحققة، ما يجعل الأخلاق تبلغ درجة قصوى من التعرّي.
يقول فولتير، منظر الثورة الفرنسية وثورة الحريات والحقوق وعصر الحداثة في أوجهه: «تُقاس الحضارة بمدى قدرة المجتمع على تحرير الإنسان من الجهل والخوف». وأمثال فولتير اليوم — وعسانا نكون منهم — يعيشون الخوف والقلق ذاته، فيما ينتشر الجهل المعرفي والقيمي أفقيًا حولنا. وكأن معيار المواطنة، المتحقق فعليًا بالقانون والمصان بالنص الدستوري دون تلاعب بالمعنى والألفاظ، باتت تذروه أرقام الكسب والقدرة على التحكم واختراق القانون، حتى في دول ترفع شعار الحقوق والقانون، كما أظهرته ملفات إبستين.
في حين أن المواطنة، بوصفها تجسيدًا للأخلاق واحترام الكرامة الإنسانية وحرية البشر وأمنهم في تحقيق فضاء الحرية والحياة الكريمة دون هيمنة أو فرض شروط الغلبة المادية والتفوق التقني والنزوات الشاذة، باتت سؤالًا وجوديًا يتجاوز حدوده النظرية والفلسفية.
ليبقى السؤال معلقًا، لا بوصفه نبوءة تشاؤمية، بل مسؤولية ثقافية وفكرية مفتوحة: كيف يمكن للأخلاق أن تستعيد مكانتها بموازاة التفوق التقني والمالي؟ وهل سيواصل العالم دفع ثمن غطرسة القوة وشذوذ بعض صُنّاع قراره العالمي؟
وأخشى أننا مُقبلون على شرٍّ كبير إقليميًا وعالميًا، ما لم تتمكن الأخلاق الكونية من ردع الزر النووي، وأتمتة القرارات السياسية الاصطناعية وفق منطق خوارزميات الربح الرقمي المتزايد باطراد، وشذوذ بعض صُنّاع السياسة الدولية في جزيرة إبستين. وإلا فإن النتيجة ستكون ازدياد فجوة الحضارة إلى ما لا نهاية.
المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى