
علّمنا التاريخ في سابق قصصه وسردياته أنّ أيَّ صراعٍ عندما ينتهي تتحول أسئلته الأساسية الحيَّة إلى تحت السطح على شكل نارٍ تحت الرماد. مشهد يمكن تسميته بالانتصار الوهمي حين تتراجع أو تنحسر خطوط المواجهة، وتعلو لغة الغلبة في الخطاب العام، غير أن لحظة التفوق هذه تكشف مع مرور الوقت فراغاً سياسياً وأخلاقياً عميقاً. فالقوة تفرض نتائجها على الأرض، غير أنّ الدولة لا تولد تلقائياً من رحم السيطرة، لأن بناء الدولة يحتاج إلى توافقات ومعانٍ مشتركة تتجاوز منطق الانتصار العسكري أو الأمني أو الاجتماعي. ذلك الانتصار الذي يحمل عناصر قوة حقيقية، لكنه يفتقد القدرة على إنتاج شرعية جامعة.
تتوسع في مجالاته أدوات الضبط، وتُعاد صياغة المؤسسات الرسمية بما يتناسب مع موازين القوى الجديدة، ليتشكل انطباع عام بأن الاستقرار تحقق. مع ذلك، ينبغي الانتباه إلى أن هذا الاستقرار يبقى هشاً، لأن الشرعية ليست نتيجة مباشرة للتفوق، إنها ثمرة اعتراف متبادل بين مكونات المجتمع الواحد على اختلافهم. وحين تغيب هذه المعادلة، يبدأ التوتر في التراكم بصمت داخل مسارات الاختلاف، وفي نظرة الناس إلى الدولة نفسها.
العدو والخصم
برز بوضوح هذا التوتر في الجغرافيا السورية من خلال الخلط بين مفاهيم عدة “العدو، الخصم، الانتصار، الاستقرار، المشاركة، الإقصاء”. هذه الثنائيات عززت محاولات تثبيت موازين القوى الجديدة كأنها نهاية للتاريخ السياسي، في حين بقي سؤال المستقبل مفتوحاً: كيف يمكن تحويل الغلبة إلى عقد اجتماعي يشعر فيه المختلفون بأنهم جزء من الحاضر والمستقبل معاً؟. في هذا السياق، تحوَّلت السياسة – عبر أصوات المؤثرين- من فضاء للتفاوض إلى مساحة لإعلان النهايات التي تقوم على قاعدة واضحة: الاختلاف تهديد ينبغي ضبطه. وإذا لم تتحدَّث بالطريقة التي تعجبني فأنت خارج السرب الجديد. وهذا ما يرسِّخُ تصوُّراً للوطن باعتباره رواية واحدة مغلقة، تُقدَّم بوصفها الحقيقة الواحدة الممكنة، لتتقلص المساحة المتاحة المتعددة التي صنعت التجربة السورية خلال السنوات الماضية. هذه الأحادية تمنح شعوراً بالقوة، غير أنها تضعف القدرة على بناء ثقة طويلة الأمد بين الدولة والمجتمع. كما أنَّ لحظة التفوق هذه تحمل إغراء كبيراً يدفع بمتصدِّريها لتثبيت المكاسب كهدف أول، وبالتالي فإن فتح أي نقاش تأسيسي أو انتقادي يمثّل مغامرة غير مرغوبة. وبطبيعة الحال فإن المجتمع تحت هذه المظلة يستمر في الحركة، لكنه يفعل ذلك على أرضية غير مستقرة.
المشهد السوري منذ الثامن من ديسمبر أظهر حجم التعقيد الكامن في الانتقال من منطق الحرب إلى منطق الدولة. فقد بدا واضحاً أن السيطرة على الجغرافيا أو المجال العام لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على إنتاج مستقبل متفق عليه. يحتاج الأمر إلى رؤية تعيد تعريف النصر باعتباره مسؤولية تاريخية، لا مجرد لحظة تفوق. والمسؤولية هنا تشمل الاعتراف بتعدد التجارب، وإعادة بناء الثقة، وفتح المجال أمام صياغة مشتركة لفكرة الوطن. هل يحدث هذا اليوم؟ قطعاً لا يمكن اعتبار المشهد الحالي يقارب بأي حال من الأحوال هذه السردية. التعيينات التي تحدث في أماكن مختلفة بالدولة تثير كثيراً من الأسئلة التي ترسّخ واقع الهشاشة الذي ينجح في مكانٍ ما بإسكات الصراع الظاهر مع ترك جذوره قائمة. والدولة التي تقوم على الغلبة وحدها تبدو قوية في المدى القريب، لكنها تظل مهددة بالاهتزاز كلما تغيّرت موازين القوى أو عادت الأسئلة المؤجلة إلى الواجهة من جديد.
لا يمكن إنكار أن الدولة السورية اليوم، رغم الخطاب الذي يقدّمها بوصفها منفتحة على مرحلة جديدة، إلا أن صياغة موازين القوى فيها تعاد على نحو لا يبدو تأسيساً لعقد اجتماعي جامع بقدر ما يبدو عملية إعادة ترتيب دقيقة للمؤسسات الأمنية والسياسية والإدارية والاقتصادية والثقافية، وعلى نحو يضمن استمرارية الطرف الأقوى.
يتشكّل المشهد السوري اليوم على أساس ادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة. التحدث من موقع اليقين المطلق، كأن التجربة الخاصة تختزل التجربة الوطنية كلها، وكأن رواية المنتصر للتاريخ هي الصيغة الوحيدة المقبولة للفهم والتفسير. النصر في هذا السياق لا يُقدَّم كحصيلة سياسية يمكن مراجعتها أو تقييمها، إنها صياغة شاملة بوصفها حكماً أخلاقياً نهائياً يثبت صحة الذات ويجرّد الآخر المختلف أو غير المنسجم من مشروعيته. ومع مرور الوقت في هذا المشهد، تبدأ وظيفة الذاكرة الجماعية بالتبدل لتتحول من مساحة للتأمل والتعلم إلى أداة تعبئة واستدعاء مستمر للمظلومية أو للشرعية.
في هذا المناخ، تتغير معايير الوطنية ذاتها. لا يعود الانتماء إلى الوطن مرتبطاً بالمشاركة في بنائه أو بالمساهمة في المجال العام، وإنما يُقاس بمدى الاصطفاف خلف سردية واحدة. تتراجع فكرة المواطنة باعتبارها علاقة قانونية وأخلاقية متساوية، لتحل محلها فكرة الولاء بوصفه معيار القبول والاعتراف. من يطرح أسئلة مختلفة أو يقدّم قراءة مغايرة يُدفع تدريجياً نحو هامش الشك، حيث يصبح وجوده ذاته موضع تساؤل. ويُستَثنى من أي تواجد لصالح ظهور مَن أقل منه كفاءة وقدرة على العمل العام.
لا يمكن إنكار أن الدولة السورية اليوم، رغم الخطاب الذي يقدّمها بوصفها منفتحة على مرحلة جديدة، إلا أن صياغة موازين القوى فيها تعاد على نحو لا يبدو تأسيساً لعقد اجتماعي جامع بقدر ما يبدو عملية إعادة ترتيب دقيقة للمؤسسات الأمنية و السياسية والإدارية والاقتصادية والثقافية، وعلى نحو يضمن استمرارية الطرف الأقوى، أكثر مما يضمن استمرارية الدولة كإطار يمثل الجميع. في مثل هذا السياق، يأخذ البناء الجديد معنى مختلفاً؛ يصبح حركة تموضع داخل البنية القائمة لا مراجعة عميقة لأسسها، وتتحول المشاركة العامة إلى مساحة احتواء محسوبة بدقة، لا نهجاً داعياً إلى شراكة حقيقية قائمة على التكافؤ والاعتراف المتبادل.
يمكن ملامسة هذا المنطق بوضوح في بعض الفعاليات الثقافية التي تبدو في ظاهرها تفصيلاً، لكنها تكشف كثيراً عن طبيعة المرحلة. معرض الكتاب الذي نُظّم في دمشق مؤخراً شكّل مثالاً دالاً على هذا التناقض. فعلى الرغم من الطابع الاحتفالي الذي أُحيط به، لا يخفى شعور عدد واسع من المثقفين السوريين أنهم خارج المشهد، ربما نتيجة لقرار إقصائي مباشر، وربما بسبب غياب معرفة حقيقية بطيف التجربة الثقافية السورية التي تشكلت خلال سنوات الحرب والمنفى والشتات من قبَل القائمين على المعرض. الذي غابت عن ندواته الأسئلة العميقة المتعلقة بتحولات الهوية الثقافية السورية، وتبدّل اللغة، وصعود أصوات جديدة ولدت خارج المراكز التقليدية للثقافة.
هنا يمكن تلمّس مفارقة جوهرية: الجهة المنظمة تبدو قوية وقادرة على ضبط الإطار العام، غير أن مفهوم الدولة نفسه يصبح أكثر هشاشة. الشرعية الثقافية لا تُبنى عبر الانتقاء أو التزكية، وإنما عبر الاعتراف بتعدد التجارب ومنح الجميع فرصة متكافئة للحضور والمساهمة والتواجد. وحين يغيب هذا المبدأ، تتحول الثقافة من مساحة لقاء إلى آلية لإعادة إنتاج التوازنات، فيشعر جزء من المجتمع بأن صوته غير مرئي، وأن مساهمته ليست جزءاً من السردية الرسمية للمستقبل. بطبيعة الحال، يتواجد حول هذا المشهد مثقفون ومدافعون يستخدمون لغة قابلة للتأويل على أكثر من وجه، وكلمات تحاول التوفيق بين تبرير الواقع والحفاظ على مسافة نقدية شكلية مع السلطة. لكن مع الوقت، تترسخ – من السلطة والذين حولها- ممارسة الإقصاء بصورة مباشرة أوغير مباشرة عبر منطق المقارنة بين الآلام: من أقرب إلى المركز؟ من ينتقد بشكل شكلي لكنه يحضر تحت الضوء؟ من عانى أكثر؟ من يملك حق الكلام؟ من يستحق الاعتراف قبل غيره؟ هذه المقاربة الجديدة تحوّل الاعتراف من حق مشترك إلى امتياز يُمنح وفق معايير غير واضحة، ما يؤدي تدريجياً إلى تفتيت المجال الاجتماعي إلى جماعات متجاورة، ربما تكون قادرة على التعايش في المكان ذاته لكنها عاجزة عن بناء ثقة متبادلة أو سردية مشتركة للمستقبل.
الأثر ذاته يمكن ملاحظته في قضايا إدارية وسياسية أوسع، وهذا ما يمكن لمسه في تعيينات وزارة الخارجية أيضاً سواء في الإدارة المركزية أو في القنصليات والسفارات التي بدأ العمل على إعادة تفعيلها أو افتتاحها من جديد، هذه التعيينات لا تُقرأ فقط باعتبارها إجراءات تنظيمية، وإنما إشارات إلى كيفية توزيع التمثيل وإعادة تعريف من يُسمح له بالتحدث باسم الدولة. سبَق هذا خلافات عصفت ببعض التشكيلات المتعلقة بالجاليات السورية في الخارج، والإشارة هنا بوضوح إلى الجالية السورية في بلجيكا التي تحوّل اسم صفحتها على مواقع التواصل الاجتماعي من الهيئة العامة للجالية السورية في بلجيكا إلى صفحة “بدون اسم”!. تفصيل بسيط لكنه يعكس ارتباكاً أعمق في مسألة التمثيل والشرعية والتنظيم بين المركز ودوائر الخارج. المسألة هنا لا تتعلق باسم صفحة أو بخلاف إداري محدود، وإنما بالشعور المتزايد لدى فئات من السوريين بأن العلاقة مع مؤسسات الدولة ما زالت محكومة بمنطق الاختيار الانتقائي، لا بمنطق الشراكة المفتوحة.
كل محاولة لإغلاق الأسئلة الكبرى من دون معالجتها تعيد إنتاجها بصيغ جديدة.
التناقض الصعب
في مثل هذا المناخ الثقافي والسياسي، يتشكل تناقض صعب: الدولة تبدو أكثر حضوراً من حيث الشكل، لكنها أقل رسوخاً من حيث المعنى. فالقوة التنظيمية وحدها لا تكفي لبناء ثقة عامة، والتمثيل الرمزي لا يعوّض غياب الإحساس بالمشاركة الفعلية. وعندما يشعر الناس أنهم يعيشون داخل مساحة واحدة من دون أن يتشاركوا تصوراً موحداً للمستقبل، يصبح الاستقرار أقرب إلى توازن مؤقت منه إلى مصالحة حقيقية. والدرس الذي يفرض نفسه هنا هو أن بناء دولة قادرة على الحياة يتحقق عبر توسيع المجال العام ليشمل التجارب المتعددة وليس من خلال إعادة إنتاج المنتصر داخل مؤسسات جديدة.
لا بد للجميع – القريبون من الدولة والمنتقدون لها والقريبون المنتقدون شكلياً- من الإدراك أن الانتصار الحقيقي لا يقاس بقدرة طرف على محو خصمه السياسي أو الثقافي من المشهد، ولا بمدى اتساع مساحة الهيمنة التي يفرضها في الساحة الحالية. القيمة الحقيقية لكل تلك الفضاءات تظهر عندما تنجح في نقل المجتمع من منطق الخصومة الصفرية إلى فضاء اختلاف مشروع تحكمه قواعد مشتركة. فالخلافات وعدم الاستلطاف، مهما كان قاسياً، لا يمكن أن ينتهي بإلغاء أحد الأطراف ثقافياً أو سياسياً، لأن الدولة التي يعاد صياغتها عبر منطق النفي ستفشل مهما قُوّضَ لها من إمكانات ودعم خارجي.
يجب النظر إلى إدارة المرحلة الحالية بوصفها لحظة لإعادة تأسيس عقد اجتماعي جديد، وهذا يتطلب جهداً سياسياً وأخلاقياً أكبر بكثير. إنها تحتاج إلى الاعتراف بالمساحات المتعددة، وإلى صياغة مفهوم للمواطنة يتجاوز الاصطفافات الضيّقة، وإلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الحقوق لا الامتيازات. هذا الطريق بطيء ومعقد، وقد يبدو في بدايته أقل جاذبية من حلول السيطرة السريعة، لكنه وحده القادر على إنتاج هيكل قابل للاستمرار.
وفي السياق السوري، تبدو هذه المفارقة واضحة. فكل محاولة لإغلاق الأسئلة الكبرى من دون معالجتها تعيد إنتاجها بصيغ جديدة. نظام الأسد المجرم لا يسقط عبر إعلان نهاية شكلية، وإنما عبر تحويل لحظة السقوط إلى إطار ثقافي وسياسي واقتصادي يسمح للجميع بأن يجدوا مكانهم داخل المشهد الجديد بغض النظر عن قربهم من مركز الحكم والسلطة. عندها فقط يصبح الانتصار بداية لمرحلة جديدة، لا مجرد لحظة عابرة في تاريخ طويل من التحولات.
المصدر: تلفزيون سوريا






