
يشيع القول إنّ “خير وسيلة للدفاع الهجوم”، وعلى منوالها نجد أنّ السياسة الخارجية التركية تستخدم صياغة مشابهة تقول إنّ “خير وسيلة للسلامة والنجاة الوساطة”، بمعنى أنّ تبنّي موقف الوسيط في الصراع يقلل التكلفة، ويمنع انهيار العلاقات، ويقلل عملية الاستقطاب، ويخفّف المخاطر أكثر مما لو جرى تبنّي دعم طرف من أطراف هذه الخلافات والتوترات والحروب في كل الأحوال.
إذا نظرنا إلى السياسة التركية، سواءً تجاه التوتر الراهن الساخن والذي يدق طبول الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أو التوتر أخيراً في اليمن بين السعودية والإمارات، فإنّ أنقرة قاربت هذه التوترات من منظور الوساطة بالرغم من قربها لأحد الأطراف أكثر من الآخر في هذه القضايا. وحتى تجاه الحروب المشتعلة، مثل الحرب في أوكرانيا أو الحرب في قطاع غزّة واللتين ربما تعتبران أهم وأطول حربَين على المستوى العالمي خلال الأعوام القليلة الماضية، نجد أن تركيا سعت إلى أن تلعب دور الوساطة في هاتَين القضيّتَين أيضاً، واستطاعت الوصول والحفاظ على هذا الدور بالرغم من وجود بعض الرفض والمعيقات أمام لعبها هذا الدور، ما يؤكد أن تركيا سعت إلى تقليل العوائق، وبذلت جهوداً كبيرة من أجل الوصول لهذا الدور، بعيداً عن ترف القوى المتوسطة.
وقد تبنّت بعض القوى المتوسطة في النظام الدولي، مثل كندا وأستراليا، مع فائض الأمان والموارد والشرعية الليبرالية، الوساطة في أزمات بعيدة جغرافياً عنها، وتعاملت بوصفها وسيطاً ليس استجابة لتهديدات مباشرة عليها، بل خدمة للنظام الدولي، واستثماراً في صورتها بوصفها جزءاً من هوية أخلاقية، وسعياً إلى الظهور بمظهر الفاعل الأخلاقي الذي يدافع عن حقوق الإنسان، ما جعل بعضهم يصنف هذا النوع من الوساطة أنه أقرب إلى الترف منه إلى الضرورة الأمنية. ولكن في حالة تركيا، التي يمكن تصنيفها أيضا قوة متوسّطة في النظام الدولي، لا تتعامل تركيا مع موضوع الوساطة ترفاً دبلوماسياً أو وسيلة لرفع المكانة في سمعتها الدولية فحسب، بل ربما يكون هذا الهدف متأخّراً في سلم أولويات السياسة الخارجية لتركيا، بل تستخدم تركيا عملية الوساطة لتقليل الأضرار وأداةً للنجاة، فتركيا معنيةٌ، كثيراً، بإطفاء الحرائق من حولها في بيئة شديدة التوتر، لأهداف مباشرة ترتبط بأمنها القومي على حدودها وأمنها في مجالات الطاقة والاقتصاد. وبالتالي؛ هي تمنع حدوث انفجارات إقليمية تصل ارتداداتها إلى كل مجالات استقرارها.
في حال انتماء الوسيط إلى بيئة إقليمية ولعبه دوراً في إدارة التوازنات فيها، بما يخدم مصلحته، فهذا يضيف إليه عوامل قوة ونفوذ واستقرار
جديد عمليات الوساطة دور تركيا بين إيران والولايات المتحدة، إذ تعمل على تجاوز أي عوائق تمنعها من أداء هذا الدور، فبالرغم من إعلان أنقرة أنها قبضت على خلية تجسّس تتبع للمخابرات الإيرانية، تشمل أنشطتها التجسّس السياسي والعسكري في خمس ولايات تركية، كما بيّنت تقارير أن المشتبه بهم تورّطوا في أنشطة مراقبة قاعدة انجرليك الجوية في ولاية أضنة، وفي شحن طائرات بدون طيار إلى دول ثالثة لأغراض عملياتيّة، إلّا أن تركيا لم تعتبر هذا الحدث عائقاً أمام استراتيجية الوساطة التي تبنّتها في قضايا المنطقة، فبعد أقل من أسبوع من هذا الحدث، دخلت تركيا على خط الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل زيادة سخونة الأوضاع مع حشد الولايات المتحدة مزيداً من إمكاناتها العسكرية في المنطقة، وقد جاء التحرّك التركي بعد مقترح قدمه الرئيس أردوغان للرئيس ترامب لعقد قمة ثلاثية تركية أميركية إيرانية.
سيفتح اندلاع أي حرب طويلة ضد إيران على تركيا أبواب أزمات عدّة، ستكون لها آثارها على السياسة الداخلية والخارجية التركية ولعلّ أبرز هذه الأزمات هي الأزمة الأمنية التي ستسبّبها الحرب، وأزمة الطاقة بالنظر إلى اعتماد تركيا على الطاقة من إيران وغيرها، إذ إنّ أي تصعيد سيؤدّي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وهذا سيسبّب مشكلاتٍ اقتصادية في تركيا. وتضاف إلى ما سبق أزمة اللاجئين، إذ ستتسبّب أي حرب على إيران في تدفق مئات آلاف اللاجئين عبر الحدود إلى تركيا. ولما سبق، لدى تركيا دوافع حيوية للقيام بعملية الوساطة أكثر من أيّ طرفٍ آخر في المنطقة.
تتميّز تركيا بإرث تاريخي وعلاقات جيّدة مع معظم الأطراف المتصارعة، فعلى المستوى التاريخي ترى تركيا في نفسها أنها استطاعت في فترة إدارة هذه المنطقة بتنوعها وبخلافاتها، وأدارت قروناً التنوّع بين جماعات مختلفة، وبالتالي، يجعلها هذا ذات إرث وتجربة تؤهلها للقيام بالوساطة بين هذه الأطراف في صراعاتها الحالية. من زاوية أخرى، حرصت النخبة التي أسست الجمهورية التركية بعد الدولة العثمانية على تجنّب التدخلات العسكرية، ما جعل فكرة الاعتماد على الدبلوماسية التركية لتقليل الاحتكاكات أمراً راسخاً في عقلية صناع القرار في السياسة التركية، وقد كان هذا الأمر شديد الوضوح خلال الحرب الباردة، بالرغم من عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وقد استمر بعد ذلك في فترة حزب العدالة والتنمية، وظهر في استراتيجية “صفر مشاكل”، التي تعرّضت لارتباك بعد ثورات الربيع العربي، ثم لم تلبث أن جرى ترميمها للحفاظ على الاستراتيجية التي تجنّب تركيا أضرار المواجهة وتنجو بها من تبعاتها.
تتميّز تركيا بإرث تاريخي وعلاقات جيّدة مع معظم الأطراف المتصارعة
إذا نظرنا، على سبيل المثال، إلى الصراع بين روسيا وأوكرانيا، ستكون تركيا متضرّرة إذا تبنّت العلاقة مع طرفٍ على حساب الآخر، وكذلك في ما يتعلق بالتوتر بين السعودية والإمارات، إذ ترتبط بعلاقات اقتصادية مهمّة مع الطرفين. ولذلك على المستويات، الأمني والسياسي والاقتصادي، تجد تركيا نفسها مضطرّة للعب دور الوسيط، لكي تنجو بمصالحها على هذه المستويات، إذ سيتسبّب أي انزلاق في أحدها بأضرار كبيرة عليها.
قد يكون هناك مشكلة في دور الوسيط إذا كان هناك تقييم من الأطراف أنّ عملية الوساطة تجري تكتيكاً لكسب الوقت، أو لإخفاء الموقف الحقيقي، وصولاً إلى حالة قوة يمكنها فرض إرادتها فيها بأشكالٍ غير عملية الوساطة. وعلى سبيل المثال، لا تزال دولة الاحتلال الإسرائيلي ترفض دور تركيا في عملية الوساطة في شكل وجودها قوةً دولية، مع أن الولايات المتحدة سمحت لتركيا بالدخول وسيطاً في عملية المفاوضات بين حركة حماس وحكومة الاحتلال الإسرائيلي إلى جانب مصر وقطر، إذ ترى الولايات المتحدة أن تركيا يمكن أن تقوم بضغط ما على “حماس” لجعل موقفها أكثر مرونة في عملية التفاوض، وهذا تحدٍّ لعملية الوساطة، بحيث يمكن أن تدير الولايات المتحدة بوصفها “منخرطاً أكبر” في عملية الوساطة وداعماً أساسيّاً لدولة الاحتلال، دور الوسطاء الأصغر، وتجيّرها لمصلحتها، بحيث تقلّل من فعالية بعض وظائف الوسيط، وتزيد من وظائف أخرى، وهذا يمكن أن تكون له تبعات سلبية على الوسيط.
في حال انتماء الوسيط إلى بيئة إقليمية ولعبه دوراً في إدارة التوازنات فيها، بما يخدم مصلحته، فهذا يضيف إليه عوامل قوة ونفوذ واستقرار، ويظهره طرفاً قويّاً، وهذا يمكن أن يُنظر له من الأطراف الأخرى تهديداً، حتى لو حرص هذا الطرف، وفي هذه الحالة تركيا، على أن يثبت أنه لا يشكل تهديداً، فإنّ دولة مثل دولة الاحتلال الإسرائيلي ستستمر في رؤيته تهديداً. وبالتالي؛ إن عوّد فاعل ما نفسَه على اللعب وسيطاً وتبنّى هذا الدور بمعزل عن الاستعدادات اللازمة للتحوّل إلى دور آخر، فإنه سيجد صعوبة في التكيّف أو سيحتاج وقتاً أطول للانتقال إلى دور آخر سيجعله في مواجهة تهديداتٍ وأضرارٍ أكبر في بيئة شديدة التقلب، وفي بيئةٍ قد لا تقبل من الوسطاء من داخلها.
المصدر: العربي الجديد






