
يجري خَلْطٌ كثير بين الواجهة والعمق في سياسة الولايات المتحدة، وتقتضي النباهة والتنبّه فصلهما والبحث عن مركز القرار الحقيقيّ خلف “المهرّج” الأول في الدولة، أي الرئيس وأيّاً يكن اسمه، جورج دبليو بوش أو دونالد ترامب، فالدولة العميقة تخطّط وتقرّر وتنفّذ، وما على الرئيس الواجهة سوى التهريج والتصريح، على نحو ما فعل بوش في الغزو المجرم للعراق، وما يفعل ترامب اليوم في حروبه المتشظية شرق الكوكب وجنوبه، فالخفّة والرعونة والحماقة والتناقض والحركة المبالِغة لا يمكن أن تصدر عن صاحب قرار، بل عن مهرّج يؤدّي دوره في التعمية والتغطية على عمل الغرف المظلمة التي ترسم سياسات أميركا العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية، وتقرّر الحلول الأنسب لمصالح الإمبراطورية الغارقة في ديونٍ هائلةٍ وتضخّمٍ وأزمات من كل نوع، وتتكوّن من فريقٍ ينتمي إلى شركات السلاح والنفط ودوائر البنتاغون وأجهزة الاستخبارات الأميركية والقطاع التكنولوجي والصناعي المتقدم والخزانة والاحتياط الفيدرالي ومراكز الأبحاث والجامعات الكبرى، إلى ما هنالك من جهات نافذة وذات مصالح مباشرة تهبّ هبّة الرجل الواحد لحماية الإمبراطورية من السقوط، ولا حلّ تملكه سوى خوض الغزوات والحروب في جهات العالم الأربع للسطو على خيرات دول غنية بالنفط والمعادن النادرة وثروات باطن الأرض والبحر على أنواعها، وتلك حال الإمبراطوريات كلها عبر التاريخ، حافزها اقتصاديّ في معظم الحروب والغزوات التي تشنّها، قبل أن يحين سقوطها الحتميّ.
تلك “الدولة العميقة” لا تعدّ نفسها متآمرة، إذ تحسب أنّها مسؤولة عن السياسات المستقرّة للأمة الأميركية، خصوصاً في الأمن القومي (يتضمن الاقتصاد أيضاً)، وهي تقاوم التغييرات الجذرية التي قد تأتي بها إدارات جديدة منتخبة. فرغم الصفة “الديمقراطية” للولايات المتحدة، إلا أنها تمتلك جهاز دولة ضخماً جداً، وموازنات عسكرية وأمنية هائلة ومؤسّسات يصعب تغيير مسارها بسرعة. ومن أسباب شيوع مصطلح “الدولة العميقة”: قوة المجمّع الصناعي ـ العسكري (التعبير لأيزنهاور عام 1961)، واستقلالية الاستخبارات بحجّة الأمن القومي، وتعقيد النظام الفيدرالي وكثرة مراكز القرار، وصدام الرؤساء مع المؤسسات (نيكسون، أوباما، ترامب). ومن المؤشّرات على النفوذ المؤسّسي: استمرار سياسات خارجية رغم تبدّل الرؤساء (العراق، أفغانستان)، ومقاومة البيروقراطية بعض قرارات الرؤساء، والتسريبات من داخل أجهزة الإعلام، ونفوذ شركات السلاح والطاقة والمال في القرار السياسي. والمفارقة الخاصة بالولايات المتحدة أن المؤسسات الفاعلة تعمل وتخطط وتقرر ضمن القانون غالباً، وتخضع لرقابة الكونغرس والقضاء والإعلام، لكنّ نفوذها كبير جداً وغير منتخب. “الدولة العميقة” توصيف غير رسمي لقوة المؤسّسات الدائمة، ولا تقارن بأي “دولة عميقة” أخرى في العالم.
لا تحكم أميركا العالم بالسلاح فقط، بل أيضاً بالهيمنة والاقتصاد والخطابين السياسي والإعلامي
يقول المفكر الإيطالي الماركسي أنطونيو غرامشي إنّ لا وجود لدولة خفية بل لـ”هيمنة” تمارس بذكاء، فالهيمنة تمارس بالقبول والاقتناع، وتقوم على شبكة من المصالح والأفكار، وتستمرّ حتى لو تغيّرت الحكومات، فالإعلام في الولايات المتحدة يَصنع “الإجماع”، وتكرّسُ الجامعات مفاهيم السوق والليبرالية، ويحدّدُ “الأمن القومي” ما هو “غير قابل للنقاش”. حتى إن وظيفة المثقفين في هذا المجتمع هي إنتاج خطاب يخدم الطبقة المهيمنة ويحوّل مصالحها إلى “قيم عامة”. للهيمنة الثقافية قوة السلاح، وأي رئيس يصطدم بـ”الإجماع” يحاصَر إعلامياً ومؤسّسياً، ما يفسّر تشابه السياسات الكبرى، رغم تغيّر الرؤساء. تمارس “الدولة العميقة” هيمنة مستقرّة ومستمرّة، وهي تعمل عبر “القبول” لا القمع، ولذلك تُلحظ أحياناً علاقة الشدّ والجذب بين الرئيس و”الدولة العميقة”، والحاكم الفعليّ هو التوازن بينهما والقبول. “الدولة العميقة” هي التي تحدّد ما هو “عقلاني” أو “خطير” أو “مستحيل”، أما محاصرة الرئيس فتحصل لو تمرّد وخرج على “الإجماع العميق” بالتشويه الإعلامي، والتسريبات (ملفات إبستين في حالة ترامب أداةَ تهديد وابتزاز)، والتعطيل البيروقراطي (إضراب القطاع الحكومي أخيراً)، والضغطين، القضائي والتشريعي، وإعادة تأطير القرارات الرئاسية بأنها “فوضوية” أو “غير مسؤولة”. بايدن، مثلاً، كان منسجماً مع الدولة المؤسّسية. لذا كان الأقل تصادماً معها، على عكس نيكسون في الماضي، حين اصطدم بالأجهزة، فُوضع تحت حصار حتى الاستقالة.
الهيمنة، على ما يرى غرامشي، أقوى وأطول عمراً من السيطرة. “الدولة العميقة” تمارس الهيمنة، فيما يمارس الرئيس السيطرة وهي أضعف. والهيمنة الطويلة في الولايات المتحدة هي أولاً: للمجتمع الصناعي ـ العسكري وشركات السلاح (مثل لوكهيد ورايثيون وسواهما)، ولوزارة الدفاع أو البنتاغون، وللجان الكونغرس الدفاعية، وهي التي تضمن استمرار الحروب أو التسلّح. ثانياً: رأس المال المالي ـ الاقتصادي، ويشمل “وول ستريت” والمصارف الكبرى والشركات العابرة للقوميات. ثالثاً: الإعلام السائد وصناعة الوعي ويضم شبكات التلفزيون الكبرى والمنصات الإعلامية وشركات التكنولوجيا. رابعاً: مراكز التفكير (think Tanks). خامساً: الأجهزة الأمنية والاستخبارية. سادساً: البيروقراطية الفيدرالية. سابعاً: القضاء ويشمل المحكمة العليا والمحاكم الفيدرالية. ثامناً: الكونغرس الذي يشرّع ويعطّل ويحاسب. تاسعاً وأخيراً: الرئيس وهو واجهة القرار ومدير التناقضات لو حصلت.
للهيمنة الثقافية قوة السلاح، وأي رئيس يصطدم بـ”الإجماع” يحاصَر إعلامياً ومؤسّسياً، ما يفسّر تشابه السياسات الكبرى، رغم تغيّر الرؤساء
لا ينزل القرار في الولايات المتحدة من السلطة العليا (الرئيس وفريقه)، ولا يصعد من الشعب، بل يتشكل عبر توافقات مراكز النفوذ ومخططاتها وضغوطها، وما يخالف “الدولة العميقة” يعاد تشكيله أو يُجهض. التطبيق السريع للحروب مثلاً: إعلام يصوّر “الخطر الوجودي”، ومراكز تفكير تضع تقارير “موضوعية”، وبنتاغون يضع خططاً جاهزة، وكونغرس يموّل، ورئيس يوقّع. فأميركا لا تحكم بشخص، ولا بمؤامرة، بل بشبكة متعددة الطبقات، والرئيس جزء منها وليس سيّدها. فمن يتخذ قرار الحروب والغزو الاقتصادي (كما حصل في فنزويلا وقد يحصل في إيران وغرينلاند وأماكن أخرى) تحدّد النخبة الاقتصادية ـ الاستراتيجية أهدافه، وتدلّ على الدول والمناطق الغنية بالثروات بأنها “حيوية للمصالح الأميركية”، أما مراكز التفكير ووسائل الإعلام، فتتولى ترويج الذرائع والتلفيقات، مثل “أسلحة دمار شامل” (العراق) أو “حقوق الإنسان” (إيران وروسيا وسواهما دول عديدة) أو “الإرهاب” (أفغانستان وإيران وداعش) أو “حماية الاستقرار العالمي”، وهذه الأخيرة هي الكذبة الأفظع، إذ لا دولة تهدّد الاستقرار العالمي أكثر من الولايات المتحدة والمدعوّة “إسرائيل”. ويتكفّل البنتاغون مع أجهزة الاستخبارات تحويل الهدف إلى خطة فيضع السيناريو الملائم، ويقدّر الكلفة ويختار شكل التدخل، وهل هو غزو مباشر أم حرب بالوكالة أم حصار اقتصادي أم انقلاب ناعم، فالعسكر لا يقرّرون “هل نذهب؟”، بل “كيف نذهب”. ومعظم الأحيان يمنح الكونغرس هذه الأفعال العدوانية شرعية عبر التمويل وتفويض استخدام القوة، تحت تأثير “اللوبيات”، وفي مقدمها اللوبي الصهيوني، وتحت تأثير الإعلام، وباسم “الأمن القومي”. ولا تخاض الحروب الأميركية من أجل القيم بل تسوّق بالقيم. لا تحكم أميركا العالم بالسلاح فقط، بل أيضاً بالهيمنة والاقتصاد والخطابين السياسي والإعلامي.
تخوض مقاومات الشعوب في العالم، منذ فيتنام، صراعاً طويلاً مع الهيمنة الأميركية، وقد نجحت في بعض الحالات، كما فعلت المقاومة الفيتنامية التي ألحقت الهزيمة النكراء بالجيش الأميركي، إذ سلّمت بطول زمن المقاومة، وفهمت العدو، ودمجت الريف بالسياسة، فالهيمنة لا تُكسر دفعة واحدة، بل تُستنزف وتُفرّغ، وهذا ما أدركه الفيتناميون، على عكس المقاومة اللبنانية التي نجحت مراراً عسكرياً، لكنها فشلت سياسياً، ولم تقدم مشروعاً وطنياً كاملاً، ولا انخرطت في أي مشروع وطني آخر قدّمه حتى حلفاء لها. وقد تحالفت (اضطرارياً؟) مع النظام الطائفي، لكونها جزءاً طائفياً منه، فالمقاومة من دون دولة معرّضة للتحوّل إلى مأزق بدلاً من أن تكون الحلّ… وفي أي حال، لا يستطيع لبنان كسر الهيمنة الأميركية والغربية المتصهينة وحيداً، بل يحتاج مدى إقليمياً مقاوماً. كذلك مقاومة الشعب الفلسطيني المنكوب والمحاصر في غزّة والضفة الغربية، أو المبعد في الشتات، فرغم بطولات مقاوميه يبقى عاجزاً بالتأكيد عن مقارعة دولة عظمى، مثل الولايات المتحدة التي تخوض عدواناً وحشياً مع ربيبتها المسخ “إسرائيل”، ضد شعب أعزل ومحاصر، منهك ومجوّع ومسلوب الكرامة الإنسانية. ليس أوحش من رؤساء الولايات المتحدة إلّا دولتها العميقة، فهي أصل البلاءات والمصائب والمآسي التي تحلّ بكوكبنا التعيس.
المصدر: العربي الجديد






