
تطرح الذكرى الخامسة عشرة لثورة يناير المصرية سؤالاً عما إذا كان التغيير السياسي في مصر ما زال ممكناً، أم أن تطلعات الديمقراطية في مصر قد تبخّرت ولا يمكن توقعها لعقود مقبلة. لقد راكمت مصر تركة متضخّمة منذ يناير/ 2011، من انقسام سياسي ومجتمعي، وتشوّه دستوري وتشريعي، وانحراف غير مسبوق في أدوار المؤسسات الدولية والتشريعية، والقضائية، والأمنية، وسط تصاعد في نفوذ العسكرية في مختلف المجالات. وعلى صعيد السياسة الخارجية، لم تعد مصر مركز تأثير وسط تحولات في علاقات القوة الإقليمية والدولية. لا شك أن اللحظة السياسية الحالية لا تحمل أخباراً سارّة لدعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر، فالنظام العالمي يتغير بشكل متسارع، وعلاقات القوى تتحوّل إقليمياً ودولياً، ولم تعد قضية الحرية تشكل مثار اهتمام في علاقات الدول الخارجية مع مصر. ويكفي الإشارة إلى قرار الإدارة الأميركية أخيراً بإعلان الفرع المصري لجماعة الإخوان المسلمين تنظيما إرهابيا، والذي ستكون له تداعيات كارثية على علاقات القوى السياسية المصرية فيما بينها، ومستقبل المصالحة السياسية والمجتمعية في البلاد. وقد انتهت الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة بمشهد يحمل تناقضات؛ فمن ناحية، أصبحت الانتخابات البرلمانية بغرفتيها وسيلة ناجعة للسلطة والأجهزة السيادية في هندسة المجال السياسي، وتوزيع المنافع الضيقة على الأحزاب السياسية، لكنها كشفت أيضاً عن عدم قدرة السلطة على تنظيم التنافس بين أنصارها، مما تسبب في ارتباك جديد من نوعه، دعا رئيس الدولة نفسه إلى الاعتراف بأن هناك تجاوزات شهدتها الانتخابات، وطالب بضرورة التعامل مع هذه التجاوزات، بما فيها إلغاء الانتخابات في بعض الدوائر. وحسب التوقعات وما يتردّد إعلاميا، سيكون لهذا البرلمان الجديد دور في تعديل دستوري مرتقب يتيح لرئيس الجمهورية الترشح لمنصب الرئاسة من دون التقيد بفترات محدّدة، والطريق إلى انتخابات الرئاسة عام 2030 ليس بعيداً.
لقد شهد المجال السياسي في مصر تصحراً مستمراً أكثر من عقد، ليس فقط بسبب القمع المتواصل، ولكن أيضاً بسبب ما يمكن اعتباره إنهاكاً مجتمعياً في الإيمان بأهمية التغيير السياسي في حد ذاته، وفراغاً ونزيفاً منظماً وغير مسبوق وسط النخب السياسية القادرة على الحشد والتعبئة لفعل سياسي منظم وطويل المدى. وقد كشفت أحداث سياسية داخلية في مصر منذ عام 2022، تمثلت في التفاعل مع ما عرف بالحوار الوطني، والورطة التي عانت منها السلطة بفعل الأزمات الاقتصادية، ثم الانتخابات الرئاسية التي جرت نهاية عام 2023 عن سلسلة من الفرص الضائعة التي لم يحسن استغلالها للضغط من أجل توسيع المجال العام ووضع قواعد جديدة تمكّن من إعادة بناء المجال السياسي في مصر.
الأزمة الاقتصادية وتدهور الأوضاع المعيشية لا تصنع التغيير وحدها إذا لم يكن هناك بناء واستثمار سياسي منظم وملهم، يبعث بخطاب سياسي بديل للداخل والخارج
لكن هذه التحدّيات لا تعني انتهاء الأمل في إمكانيات التغيير، فالورطة الاقتصادية والاجتماعية مستمرّة في مصر، والتناقضات التي تخلفها ممارسات السلطة كثيرة، والمسافة بينها وبين قطاعات واسعة من المجتمع تتسع. الأزمة الاقتصادية وتدهور الأوضاع المعيشية لا تصنع التغيير وحدها إذا لم يكن هناك بناء واستثمار سياسي منظم وملهم، يبعث بخطاب سياسي بديل للداخل والخارج. وإذا لم يكن هناك جهد منظّم وطويل المدى من تيار سياسي جديد يعمل من أجل توسيع مكاسب التفاوض مع السلطة وحتى منافستها في لحظة ما، فإن أي عدم استقرار مفاجئ في البلاد لن يسفر سوى عن إعادة إنتاج السلطوية في ثوب جديد، تحت إدارة المؤسّسة العسكرية. إذا كان هناك درس يمكن تعلمه من تجربة العقد الأخير في المسارات التي اتخذتها الثورات العربية، فهو الدور الكبير للنخب السياسية في إدارة التحولات السياسية أو إفشالها. وقد أكد عزمي بشارة، في كتابه “الانتقال الديمقراطي وإشكالياته”: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة” (2020)، على أهمية الثقافة السياسية للنخب الفاعلة في الانتقال ديمقراطياً، وقدرتها على التوافق فيما بينها، والتفاوض مع العناصر الإصلاحية في النظام السلطوي، مستلمهماً هذا الاستنتاج من التجارب في كل من مصر وتونس. فالتيار السياسي الجديد، في بروزه في عملية النضال من أجل الديمقراطية، وحسب ما تعلمنا من كثير من تجارب التحول السياسي في دول أخرى، لا بد أن يتحرّر من قيود الأيديولوجيا الجامدة، سواء يميناً أو يساراً، وينظر بواقعية إلى المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، منفتحاً على قضايا أصبحت تشكل أولوية، ويجتمع حول توافق الحد الأدنى المطلوب لكسب ثقة مختلف التوجهات الاجتماعية والاقتصادية، ويتجاوز السياسة المحلية إلى الوعي بتحولات القوى الإقليمية والدولية، والتفاعل الواعي مع المجتمع الدولي. فانصراف القوى الدولية عن دعم الإصلاح في مصر لا يعني دفن التغيير؛ إذ سيبقى الفاعلون المحليون الأكثر أهمية في عملية التغيير، وسلوكهم هو المحدّد لكيفية تعامل الخارج مع البدائل في الداخل. ورغم أهمية خطاب حقوق الإنسان في إشاعة أزمة أخلاقية مستمرّة للنظام السياسي، وإحداث توافق عريض بين القوى السياسية والمدنية، فإنه غير كاف وليس بديلاً عن العمل السياسي المنظم وطويل المدى، فالتناول السياسي لقضايا حقوق الإنسان ينصبّ أساسا على وضع القواعد والشروط للعمل السياسي، والتسامح مع المعارضة. ويبقى الحوار بين السياسيين والحقوقيين داخل مصر وخارجها ذا أهمية في الاتفاق على حلول وطرق للتعامل مع تركة انتهاكات حقوق الإنسان والضحايا، وبناء توافقات حول الإصلاحات المؤسسية والدستورية المطلوبة.
لا يعكس استمرار النظام السياسي المصري بشكله السلطوي الحالي شرعية أو شعبية بقدر ما يتحقق بفعل الظروف العرضية الإقليمية والدولية التي شكلت فرصاً لتجديده واستمراره، فضلاً عن حالة الإفراغ السياسي التي تعانيها مصر منذ انتكاسة مسار ثورة يناير. لكن إعادة إحياء أمل التغيير تبقى مرهونة بإدراك ووعي وتجديد في خيال النخب السياسية عبر أجيالها، واندماج محسوب في الداخل والخارج لفتح مساحات جديدة، تبدو أهميتها والبناء عليها في السنوات المقبلة، ومصر في الطريق لحسم مسألة مدد الرئاسة في الدستور، وشكل الانتخابات الرئاسية لعام 2030.
المصدر: العربي الجديد






