مجلس للسلام أم مجلس لتطبيع “الفوضى الخلاقة”؟

عبد اللطيف السعدون

قمة البؤس لدى إنسان الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين أن يصبح الطريق الى تطبيع “الفوضى الخلاقة” سالكاً بعد أن أدرجت لافتته على الأجندة الدولية، وأنشئ مجلس لسلام العالم جرى توقيت إعلانه على ساعة تاجر العقارات المتمرس دونالد جون ترامب رئيس “الإمبراطورية الأميركية” السابع والأربعين الذي لم يحمل أيٌّ من أسلافه هذا القدر الذي يحمله من أوهام المجد والعظمة التي تملكته، ووأصبحت تنخر في أعماقه، هي التي تكفلت بإخراج “مبادرته” السمجة على النحو الذي خرجت به على هامش اجتماعات دافوس الأخيرة، تحفّ بها شعبويّته التي ملأ بها الدنيا، وشغل الناس إلى درجة أن تغريدة في سطرين منه كانت كافية لإحداث صدمة لدى أكثر من رئيس دولة، وتغريدة أخرى أثارت حالة انتشاء وسرور عند رؤساء دول آخرين، وهو الذي لم يتردّد في طرح قناعاته في أنه عظيم، وأنه سوف يحقق العظمة ليس لبلده فقط، إنما أيضاً لكل البلدان التي تحظى برعايته. لكن المشكلة اليوم أن المطلوب من الدول أن تتكيف مع ما يريده، وما يطمع لتحقيقه، فيما ثمّة خوف معلن لدى عديدين من قادة العالم من أن تؤدّي قراراته التي لا يستطيع أحد أن يتنبأ بمآلاتها على وجه الدقة إلى زرع الفوضى في كل مكان، وتطبيعها بحيث تشكل أساساً لنظام دولي جديد يعلو فوق الأمم المتحدة، والمنظمات والهيئات الدولية الأخرى، ويتجاوز كل المواثيق والعهود التي زعمت أن الإنسان يولد حرّاً، وأن له حقوقاً لا يمكن سلبها أو الانتقاص منها.
أما وقد وقع الفاس بالراس، وأصبح اللعب على المكشوف فإن ما يمكن قوله إننا نتوقع اليوم حدوث ما لم يكن محتملا حدوثه في السابق في ظل الآليات والقواعد التي كان ينتظم بها المجتمع الدولي، وتتفاعل وتنشط من خلالها مؤسّساته وهيئاته، وبعدما أصبحنا أسرى “الفوضى الخلاقة” التي روجتها قبل عقدين وزيرة الخارجية الأميركية سيئة الصيت كوندوليزا رايس، واعتبرتها ضرورة لإعادة تشكيل العالم بعد غزو العراق، وعلى وقع التداعيات الحاضرة في النظام الدولي صحونا قبل أسابيع لنجد رئيس دولة مستقلة وذات سيادة يُختطف من غرفة نومه، و يقاد إلى الولايات المتحدة ليحاكم بتهم صورية، عرف وراءها هدف تطمين عطش الأميركيين الى النفط، وهو ما عمل عليه ترامب فيما بعد، ولن نستغرب، بعد ما حدث في موقعة كاراكاس، أن نرى على الشاشات جنود “الإمبراطورية” وهم يقتحمون أي حصن حصين في أية بقعة، حتى لو كان في بقاع دول حليفة أو تابعة!
هذا كله محتمل أن يحدث في هذا العصر الهجين الذي تحولت فيه مقولات “الاستقلال” و”السيادة” و”الشرعية الدولية” إلى نكت سوداء يتداولها السياسيون في مجالسهم، وهنا تبرز الحاجة لاستعادة ما قاله مرّة الفيلسوف الروسي- البريطاني أشعيا برلين من أن علينا أن “نفهم أكثر من أن نعرف” لأن الفهم يرينا مزالق الطريق وعوارضه، فيما المعرفة وحدها تعطينا إطاراً خارجيا قد لا يوصلنا إلى ما نريده.
دونالد ترامب أسوأ وأخطر من أية شخصية قرأنا أو سمعنا عنها في قصص الرعب
إلى ذلك، يريدنا ترامب أن نعرف أن “مجلس السلام” الذي أقامه “منظمة دولية دائمة لتعزيز السلام والحكم الرشيد في مناطق النزاعات” لحاجة المجتمع الدولي إلى “هيئة دولية أكثر مرونة وفعالية لبناء السلام، (..)، السلام الذي يتطلب الشجاعة للتخلي عن المؤسّسات التي فشلت مراراً”. ونعرف ذلك كله، لكننا نفهم أن المقصود من هذه “التوصيفات” التي هي من قبيل “وصف الأشياء بأضدادها” هو خداعنا، نحن الذين قدّر لنا أن نعيش في الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين، وأن نحظى بكل هذه الكمية من التغريدات والخطابات الاستفزازية التي تثير فينا خاصية النزوع الى الضحك على سوء حظوظنا، وهو الضحك الذي يشبه البكاء.
وفي ظل الحال الذي تدحرجنا إليه يبدو لنا “مجلس السلام” المعلن مجلساً لتطبيع “الفوضى الخلاقة” التي يريدها الأميركيون، كما تبدو لنا شخصية منشئ المجلس ورئيسه مدى الحياة دونالد ترامب أسوأ وأخطر من أية شخصية قرأنا أو سمعنا عنها في قصص الرعب، وهذا بالضبط ما توصل إليه قبلنا أشهر كاتب لقصص الرعب الأميركي ستيفن كينغ، وتحثّنا هذه التداعيات على الدعاء أن يقينا الله شرور هذا المجلس وتبعات أفعال رئيسه، والله المستعان.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى