
نجح الجيش السوري بالسيطرة على حيين في مدينة حلب كانا قبل ذلك يخضعان لسيطرة قوات الأسايش التابعة لقوات سوريا الديمقراطية. وبحدوث هذا التطور في مسار الأحداث، أصبحت حلب الآن تحت سيطرة الحكومة السورية، بعد القضاء على المصدر الأساسي لزعزعة الاستقرار في العاصمة الاقتصادية لسوريا. بيد أن الأحداث المحيطة بمعركة حلب كشفت كثيراً من الأمور عن قسد وعن مستقبل شمال شرقي سوريا مقارنة بما كشفته عن حلب نفسها، فضعف قسد وهشاشتها التي انكشفت في حلب، أجبر ذلك الفصيل على الخضوع لخيار واضح وضوح الشمس وهو: إما خسارتها لشمال شرقي سوريا بالقوة، أو تنازلها عن السيطرة طواعية عبر المفاوضات.
أهمية حلب والتهديد القسدي للاستقرار
على مدار أشهر، رفضت قسد تطبيق اتفاق الأول من نيسان الخاص بمدينة حلب، إذ كان الغرض من تلك الاتفاقية طرح نموذج تجريبي محدود لطريقة دمج شمال شرقي سوريا ضمن الدولة السورية. وقد بدأت تلك العملية بنية طيبة في بداية الأمر، إلا أنها سرعان ما تدهورت مع تخريب قوات الأسايش التابعة لقسد لتلك الاتفاقية، وذلك عبر رفضها الاندماج ضمن قوات الأمن الداخلي في حلب، وتهديدها للمدنيين وللحياة المدنية في حلب بشكل متكرر.
كانت أهم منطقة استهدفتها قسد دوار الليرمون الذي يعتبر شريان الحياة الرئيسي للاقتصاد في حلب، كونه يربطها بمدينة غازي عنتاب التركية. كما أن اقتصاد حلب يعتمد على التجارة بشكل كبير، وغازي عنتاب أهم شريك اقتصادي لتلك المدينة، ولهذا، كانت التجارة بين سوريا وتركيا تتوقف في كل مرة تقطع من خلالها القوات التابعة لقسد دوار الليرمون. وإضافة لذلك، فإن تواصل التهديدات الأمنية التي مثلتها قسد منعت المستثمرين من توجيه نشاطهم إلى حلب، وذلك لأن الخوف من احتمال وقوع هجمات خلق بيئة من التشكك، لذا ومن دون إحياء الاقتصاد في حلب، يصبع تعافي سوريا كلها على المستوى الاقتصادي أمراً مستحيلاً.
لم تهدد الهجمات القسدية المستمرة المدنيين في حلب فحسب، على الرغم من أن تلك الهجمات تعتبر جريمة يمكن أن تتخذها الدولة مبرراً للقيام بعمل عسكري، بل إن تلك الهجمات قوضت مساعي إعادة الإعمار في سوريا بشكل مباشر، ناهيك عن تدميرها لعملية إعادة تأهيل الاقتصاد الوطني.
حلب فضحت هشاشة قسد
بناء على تلك الديناميات، تدخل الجيش السوري أخيراً لمعالجة وجود القوات التابعة لقسد. وخلال الشهور التي سبقت ذلك، كررت دمشق حرصها على إجراءات وقف إطلاق النار، مع إعطاء الأولوية للحل السلمي وتجنب أي عمل عسكري من شأنه الإطاحة باتفاق العاشر مع آذار الموقع مع قسد. كما أظهرت الحكومة السورية على الدوام مرونة وجاهزية لخفض التصعيد، إلا أن قسد أساءت تفسير حالة الانضباط تلك واعتبرتها ضعفاً، ولهذا أخذ الإعلام التابع لقسد يصور كل حالة لوقف إطلاق النار بمنزلة انتصار لقوات الأسايش في حلب.
وبمجرد انقضاء الموعد النهائي لتنفيذ اتفاقية العاشر من آذار، خلصت السلطات السورية إلى أن الضبط المستمر الذي فرضته على نفسها لم يعد ناجعاً، فشنت عملية عسكرية محدودة، كان هدفها الأولي صد القوات التابعة لقسد وتأمين حياة المدنيين. إلا أن نتيجة لم تكن في الحسبان أعقبت ذلك، وهي انهيار قوات الأسايش من الداخل.
حافظت قسد على وجودها في حلب طوال 13 عاماً عبر سيطرتها على هذين الحيين ذوي الغالبية الكردية. وخلال تلك الفترة، حاولت فرض عقيدتها على أهل المنطقة. ولكن، عند وقوع مجابهة حقيقية، فر المدنيون إلى جانب عدد كبير من عناصر الأسايش أو رفضوا القتال والموت لصالح أجندة قسد، ولذلك لم يخض القتال سوى قلة من المتشددين من تلك العناصر، إذ عمد هؤلاء إلى تنفيذ هجمات انتحارية، ثم استسلموا في نهاية المطاف وخرجوا من المدينة باتجاه شمال شرقي سوريا.
وعلى أرض الواقع، لو لم تتعرض القوات التابعة لقسد للانهيار الداخلي، لبقي حيا الشيخ مقصود والأشرفية منطقتين دفاعيتين تشهدان حرب مدن طويلة الأمد. إذ من خلال الميزات الدفاعية، وسنوات من الاستعداد، وشبكات الأنفاق، والمواقع المحصنة، كان بوسع قوات الأسايش الصمود في القتال لأشهر طويلة، إن لم يطل ذلك لفترات أبعد، كما أن تلك القوات لديها ما يكفي من الذخيرة، وتتمتع بكل الميزات التكتيكية التي تخولها المحافظة على موقفها الدفاعي. ثم إن الجيش السوري لن يستعين خلال تلك الفترة بأساليب القتال العشوائية مثل الذخيرة العنقودية أو البراميل المتفجرة.
وعلى النقيض من ذلك، استطاع الجيش السوري الحر الصمود لسنوات في حرب المدن ضد نظام الأسد، على الرغم من الأساليب الوحشية التي انتهجتها دمشق وإيران وروسيا آنذاك، ولهذا فإن التناقض صارخ هنا ويكشف كثيراً من الأمور.
خياران مطروحان لشمال شرقي سوريا
كشفت التطورات التي وقعت في حلب عن حقيقة أساسية، وهي أن قسد قد فشلت في حصد تأييد شعبي حقيقي حتى بين السكان الكرد أنفسهم الذين تدعي تمثيلهم، وذلك على الرغم من دعايتها المكثفة. كما فشلت قسد في حث الكرد على البقاء ملتزمين بعقيدتهم تحت الضغط، ولهذا كشفت تلك الأحداث بأن السبب الأساسي لانضمام كثيرين من عناصر قسد الكرد لهذه الميليشيا كان مالياً لا عن قناعة عقائدية أو موالاة وتأييد لعقيدة حزب العمال الكردستاني، وهذا يطرح سؤالاً مهماً عن الطريقة التي تعتزم قسد من خلالها الدفاع عن شمال شرقي سوريا ضد الجيش السوري، بما أن العرب يشكلون نسبة 80% تقريباً من سكان تلك المنطقة، كما أن نصف مقاتلي قسد قد جندوا في صفوفها بالقوة. بل حتى كرد سوريا لم يبدوا ذلك الاستعداد للتضحية بأنفسهم في سبيل مشروع قسد العقائدي. ولهذا اتضح اليوم أن قسد ستنهار بسرعة وستفقد السيطرة على المناطق ذات الغالبية العربية في شمال شرقي سوريا فور قيام مواجهة حقيقية. ويمكن لها أن تحاول المقاومة في المناطق ذات الغالبية الكردية، غير أن تجربتها في قسد أصبحت تثير الشكوك حول هذه الفرضية.
وعليه، أصبحت قسد أمام خيارين، أولهما تقبل الواقع، والاعتراف بضعفها، والتنازل عن السيطرة على المناطق ذات الغالبية العربية لدمشق، مقابل التفاوض على حقوق الكرد وترتيبات أخرى للحكم الذاتي ضمن المناطق ذات الغالبية الكردية. أما الخيار الثاني فيتمثل بالتمسك بفرضيات غير واقعية، وخسارة المناطق ذات الغالبية العربية بشكل فوري، والتنازل عن كل النفوذ مقابل الحصول على حكم ذاتي ذي معنى وقيمة، أو تقديم تنازلات سياسية في المناطق ذات الغالبية الكردية.
خلال قادم الأيام والأسابيع والشهور، سنكتشف سريعاً إن كانت قسد قد تعلمت الدرس من حلب أم لا، لأن هذا ما سيحدد مصير شمال شرقي سوريا.
المصدر: تلفزيون سوريا






