
كما أن هناك من يحب عبد الناصر إلى الدرجة التي تجعله غير قادر على رؤية أي سلبية فيه او في عصره.. وحتى في حال اعترف بأية سلبية فإنه يورد مبرراتها قبل ايرادها
فإن هناك من يناصب الرجل العداء والخصومة السياسية التي تصل حد الكره الشخصي بل الحقد او التخوين والتكفير.. ويحملونه اوزار العالم كله ويعتبرونه من جلب الانقلابات العسكرية في المنطقة ومن ارسى اسس الدولة البوليسية والسجون والهزائم..
كلا الحالتين غير صحية و غير مفيدة فلا مديح واطراء عبد الناصر يقدم شيئا للامة ولا الهجوم عليه و ذمه والقاء اللوم والمسؤولية عليه .
اعتقد ان اعادة قراءة نقدية وواقعية للتجربة الناصرية ووضعها في اطارها التاريخي كجزء من حركة عالمية اجتاحت العالم الثالث قاطبة من الشرق في أدنى اسيا الى غرب امريكا اللاتينية وتشترك معظمها بتصعيد قيادات ذات كرازمية قوية وغالبا ما تكون من خلفية عسكرية وغالبا عبر انقلاب او ثورة عسكرية والتركيز السياسي والاعلامي عليها لدرجة ربط وحدة الامة ومصيرها بهذه القيادة ورمزيتها.. ومعظمها ان لم نقل جميعها اقرت مبدأ تقديم العدالة الاجتماعية على الحريات السياسية والشخصية..وتقديم حرية الوطن على حرية المواطن فركزت في معظم ادبياتها على مقاومة ومحاربة الاستعمار والنفوذ الغربي الى درجة اهمال او تناسي المجتمع مع كل متطلباته ومطالباته السياسية والاجتماعية والفكرية..
وكل ذلك مع تنامي الهاجس الامني وتضخمه جعل من السلطة والكلمة العليا للاجهزة الامنية مقبولة ومبررة من قبلها و في زمنها..
ان ادعاء الحكمة اليوم بأثر رجعي يحجب عنا حجم الانبهار اللاواعي حينها بالتجربة السوفياتية الاشتراكية في ذروة عطائها وتقدمها اواسط الخمسينات والتي اجتاحت ايضا تيارات مهمة في الدول الغربية نفسها قبل انكشاف عوراتها..
لذلك نستنتج أن عبد الناصر وتجربته كانت ابنة شرعية لعصرها وعبرت عنه بمصداقية وامانة بكل نضاله واحلامه وآماله المشروعة وبكل ايجابياته وايضا بكل سلبياته واخطائه واهمها عدم القراءة النقدية والتغيير المستمر الذي انقذ الانظمة الرأسمالية الغربية من وهم الحتمية التاريخية التي اعتقد بها اليساريون فأعادت اطلاق نهضتها في شكل سلسلة مترابطة بينما انتكست معظم تجارب العالم الثالث او انهارت..
لقد كانت مصر في ذروة سنامه بحكم موقعها في قلب العالم.. فقد تجسدت فيها ذروة التحدي للمشروع الغربي في منطقة لم يكن مسموحا فيها عدم الانحياز.
وضربها بالذات كان ضربة لما مثله ذلك العصر من رغبة في التحرر والتقدم والعدالة..
إن ما هو مطلوب الان ليس اعادة التغني بمناقب عبد الناصر او تجربته.. بل المطلوب هو قراءة العصر الحالي وقراءة المجتمع العربي المعاصر برؤية واقعية لأولياته و متطلباته لإعادة انتاج مشروع جديد يكون ابنا شرعيا و ممثلا حقيقيا له.
و بصراحة ان ذلك لا يمكن ان يكون بترقيع تجربة الخمسينات و الستينات من القرن الماضي او الاكتفاء بنقد هنا او هناك لإراحة الضمير.. بل المطلوب هو اعادة بناء شامل لتجربة معاصرة تستجيب للواقع و العصر و تمثله و إلا ستبقى مفصولة عنه و عن الجماهير التي اصبح بينها و بين تجربة الماضي مسافة كبيرة ليس سهلا تجاوزها مع الحفاظ على القيم الاساسية الصالحة من تجربة عبد الناصر و جيله.
لبناء هوية جديدة لتيار جديد يستطيع مواكبة العصر وجس نبض الجماهير من اجيال لم تعش تلك التجربة او تتفاعل معها.






