
الاحتجاجات الإيرانية على الأزمة الاقتصادية وانهيار سعر الصرف التي بدأت في 28 ديسمبر / كانون أول 2025، من البازار وأهله، وتعمقت، واتسعت في الجغرافيا الإيرانية، ثم تحولت تدريجيا إلى مطالب سياسية ضد النظام الإيراني، باتت تهدد هذا النظام. تهدد وجوده ومستقبله.
وقد اعترف قادة النظام على اختلاف موقعهم من مركز القرار بثقل الأزمة الاقتصادية، وبأن مطالب المحتجين عليها مطالب محقة، لكن هؤلاء القادة وصولا إلى المرشد الأعلى لم يستطيعوا ـ أو لم يريدوا ـ أن يروا البعد السياسي والبنيوي لهذه الأزمة، ولم يستطيعوا أن يروا دور” النظام الإيراني” ومسؤوليته فيها، وكان من أيسر وأسهل طرق الدفع عن هذه المسؤولية أن يشار إلى التدخل الخارجي باعتباره المسؤول عن هذه الاحداث أو تطوراتها، وبأن الولايات المتحدة وحلفاءها وفي المقدمة منهم الكيان الصهيوني يقفون وراء هذه الاحتجاجات، أو يعملون على استغلالها ومحاولة حرفها عن مقاصدها الحقيقية.
وجاءت تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل العسكري ضد النظام الإيراني في حال تجاوزت ردود فعله على التظاهرات الشعبية حدا معينا، لترفع من وتيرة الأخطار التي تحيط بمنطقتنا التي باتت توصف بأنها هشة بكل مكوناتها: “كياناتها، وأمنها، واستقرارها الاجتماعي قبل السياسي”، ويعزز التوقعات وما ينقل عن الرئيس ترامب من تصريحات، وما تبثه وكالات الأنباء عن تحركات عسكرية أمريكية في المنطقة بأن هذه المنطقة مقبلة على أحداث من الصعب التنبؤ بأبعادها.
ولعله من موقع الإحساس بالمسؤولية وبخطورة هذه التطورات على دول المنطقة كلها أن تقف دول الخليج العربية ضد قيام الولايات المتحدة بضرب إيران عسكريا.
وسيكون من قبيل السذاجة أن يتوقع أحد أن ينتج عن قيام الولايات المتحدة بضرب إيران خيرا للمنطقة وشعوبها، استثني من ذلك الكيان الصهيوني، الذي تنافس على مدى عقود مع إيران في السيطرة على منطقتنا ودولنا.
مهم في هذه المرحلة الدقيقة أن نمتلك رؤيا واضحة للحدث، وموقفا واضحا منه، فافتقادنا القدرة عن الفعل في مثل هذه الصراعات، لا يعفينا من ضرورة اتخاذ الموقف الصحيح منها، خصوصا وأنها تجري في إقليمنا، وتمس مصالحنا ووجودنا مباشرة، ويجب أن يستقر في يقيننا أنه إذا كانت الولايات المتحدة في العهد الترامبي ـ التي توحشت في سياستها الدولية ـ هي من تقود الفعل المباشر في هذه الاحداث، فإن المستفيد الأول والأهم منها هو “الكيان الصهيوني، والمشروع الصهيوني”.
نحن، وأقصد العربَ، دولهم وشعوبهم، لسنا ضد إيران، الشعب والدولة، فلنا معها تاريخ مشترك، وثقافة فيها عناصر مشتركة، وتضمن هذا التاريخ مراحل تعاون وتناصر، ومراحل احتكاك وتصادم، ولنا في تكوين إيران الحديثة التي ولدت مع النظام الشاهاني، جسد عربي معروف ومحدد يتمثل بإقليم “عربستان / الأحواز”، وتاريخ اقتطاعه (1925) والسيطرة عليه، ما زال طريا في الذاكرة العربية، وما زال أهلنا هناك يجاهدون حتى تبقى قضيتهم نابضة بالحياة، باعتبارها قضية تحرر وطني.
وحين جاءت ثورة الخميني وجدت من العرب كل مناصرة، خصوصا حينما أعلنت أنها تقف على النقيض من شاه إيران وسياساته، سواء بالنسبة للداخل الإيراني، أم بالنسبة للخارج ومناصرته للعدو الصهيوني، ـ وكانت ثورة الشعب الإيراني قد تلقت المناصرة من العرب قبل هذه المرحلة بسنوات أي في ستينات القرن الفائت ـ، لكن هذا الأمر لم يدم طويلا، تفجر أول ما تفجر في الحرب العراقية الإيرانية، ثم بدأت ملامحه تتضح أكثر في مرحلة الاحتلال الأمريكي للعراق، ومن ثم في مرحلة الثورة السورية، حينما قرر أن يستثمر في نصرة النظام الاسدي البائد، مستغلا وموظفا ما تحقق له من سمعة من خلال دعمه للمقاومة الفلسطينية، ووضع أذرعته وحلفاءه، ومن ثم وضع نفسه مباشرة في نصرة ذلك النظام، وأوغل في الدم السوري بدون حساب. وتحت شعارات، ومن خلال عناوين طائفية مدمرة للبنية الوطنية للشعب السوري. وعلى طول هذه المسيرة تبين أن الخلل الرئيسي في هذا النظام لا يكمن في فكرة كونه “دولة إقليمية” تتطلع إلى دور يتسق مع حجمها وإمكانياتها الحقيقية أو الموهومة ـ كما كان الحال زمن “الأسرة البهلوية” ـ وإنما يكمن في “نظرية ولاية الفقيه”، التي جعلت من النظام الإيراني “نظاما إمبرياليا” بمضمون ديني، تضخم الأمر عنده حتى صار يعتقد اعتقادا جازما أنه هو الممثل للشيعة في العالم وعلى الشيعة جميعا أن يخضعوا رهبا او رغبا لهذا الاعتقاد، وأن من وظيفته الدينية، ودوره الرسالي، استهداف السنة باعتبارهم الشاردين عن طريق الحق، أي يفترض في نفسه تمثيل نحو 400 مليون شيعي في العالم، ويستهدف نحو 1600 مليون مسلم غير شيعي.
مهم أن ندرك ونؤكد أننا نحن العرب الذين نقف ضد “دولة ولاية الفقيه” لسنا ضد إيران الشيعية، فتحديد دين الدولة ومذهبها حق لأبنائها، وحين يحدث قصور أو انحراف في تحديد هذه المسائل فإنه يرجع الى الشعب وحدة أن يصحح ذلك.
ونحن نرى الآن ـ ومن قبل ـ نزوع الشعب الإيراني نحو التخلص من الاستبداد، والفساد، والحكم الديني، ونؤيد نضاله، لكن إليه وحده ترجع عملية التغيير وأدواتها.
ومن المهم جدا أن ندرك أننا نحن العرب لا نقيم دولنا على أساس ديني أو مذهبي ـ وبالتالي لا نقيم الدول الأخرى وسياساتها على هذا الأساس ـ، وإنما على أساس وطني وقومي، الإسلام والعروبة فيها مكونان رئيسيان، يحتضنان ويحفظان فيها مكونها الثالث الخاص ب ” التنوع” التاريخي والحضاري.
إذن ما نعارضه في إيران ليس الشعب الإيراني، ولا الدولة الإيرانية، ولا المذهب الشيعي، وإنما الطبيعة “العدوانية / الامبريالية” للسلطة الإيرانية القائمة على نظرية ولاية الفقيه. غيران إيران دولة طبيعية في المنطقة تاريخيا وراهنا، وهذا ما يفرق رؤيتنا لها، عن رؤيتنا للكيان الصهيوني.
لذلك نحن لا نقف مع توجه الولايات المتحدة، أو الكيان الصهيوني للقيام بعدوان يستهدف ضرب إيران عسكريا، كما فعلا ذلك قبل الآن، لأن هذا يمثل عدوانا من دول إمبريالية عنصرية طاغية، ضد دولة “إمبريالية إقليمية”، في إطار عملية الصراع والتنافس على المنطقة، وعلى امتلاك أدوات السيطرة عليها، مما لن يخلف في إقليمنا إلا مزيدا من الاختلال والفوضى لصالح الدول المعتدية.
إستانبول 15 / 1 / 2026






