الهروب عبر الحقول.. الخوف من الألغام يلاحق نازحي دير حافر

عبد الغني العريان

مع فجر اليوم الجمعة 16 من كانون الثاني، غادرت عائلة أبي محمود، المكونة من 12 شخصًا، مدينة دير حافر في ريف حلب الشرقي سيرًا على الأقدام، بعد تعذر الخروج عبر المعابر الرسمية التي حددتها الحكومة السورية كمعابر أمنة.
أبو محمود، 67 عامًا، كان يقود أفراد عائلته عبر الأراضي الزراعية غرب المدينة، في مسار غير مخصص للعبور المدني، ويُعرف بانتشار الألغام فيه، والخروج لم يكن ضمن قافلة منظمة، ولا عبر ممر إنساني معلن، بل جاء بعد إغلاق المعابر ومنع الحركة باتجاه مناطق سيطرة الحكومة السورية.
ويقول أبو محمود لموقع تلفزيون سوريا؛ إن قرار الخروج جاء بعد ساعات من الانتظار، ومع تزايد القلق من البقاء داخل المدينة في ظل التصعيد، ويوضح أن العائلة لم تكن تملك خطة واضحة، سوى الابتعاد عن الطرق الرئيسية والحواجز، وسلوك مسارات زراعية سبق أن استخدمها آخرون.

الخوف من الألغام
الخوف الأساسي، بحسب أبي محمود، لم يكن من المسير الطويل أو البرد، بل من الألغام، فالمنطقة المحيطة بدير حافر، وخصوصًا الأراضي الزراعية والطرق الفرعية، معروفة بانتشار ألغام زُرعت خلال فترات سابقة من قبل تنظيم قسد، ما يجعل الحركة خارج الطرق المعبدة عالية الخطورة.
ومع كل خطوة، كان أبو محمود ينظر إلى الأرض قبل أن يضع قدمه، خشية أن يكون تحت التراب لغم لم ينفجر بعد، موضحاً: “كنا نمشي وكأننا نعد أنفاسنا”.
إغلاق المعابر
وقال أبو محمود (67 عامًا)، لموقع تلفزيون سوريا، إن عائلته لم تكن تخطط لمغادرة دير حافر عبر طرق التهريب، لكن إغلاق المعابر دفعهم إلى ذلك.
وأضاف: “انتظرنا، مثل مئات الأهالي، فتح المعابر التي قيل إن تنظيم قسد سيسمح عبرها بخروج المدنيين، لكن ذلك لم يحدث، وبعد ساعات مُنعنا من المغادرة بشكل كامل”.
وأوضح أن قرار الإغلاق تزامن مع إعلان “قسد” إغلاق جميع المعابر مع مناطق الحكومة السورية حتى إشعار آخر، ما جعل الخروج المنظّم مستحيلًا. وتابع: “لم يعد أمامنا أي خيار سوى سلوك الطرق الزراعية والفرعية، والابتعاد عن المعابر والحواجز”.

وأشار أبو محمود إلى أنه خرج مع عائلته المؤلفة من 12 شخصًا، بينهم أطفال وكبار سن، سيرًا على الأقدام باتجاه مناطق سيطرة الحكومة السورية، معتمدين على ما تناقله الأهالي عن مسارات تُستخدم للتهريب، وقال: “الطريق كان مليئًا بالخوف، لا نعرف أين نمشي ولا إن كنا سنصل، فالمنطقة معروفة بانتشار الألغام”.
وأضاف أن العائلة اضطرت لعبور جسر متضرر على ساقية مياه يُعرف محليًا بجسر “الكبارية”، مؤكدًا أن العبور كان صعبًا وخطيرًا، خاصة على الأطفال، وقال: “حملنا الأطفال واحدًا تلو الآخر، وتقدّمنا ببطء شديد، ولم يكن الرجوع خيارًا مطروحاً”، مؤكداً أن الخوف من الألغام فرض عليهم السير بحذر شديد.
خروج ممنوع
في الوقت الذي نجحت فيه بعض العائلات بالوصول إلى مناطق سيطرة الحكومة السورية، ما يزال آلاف المدنيين عالقين داخل مدينة دير حافر.
وقال نائب رئيس اللجنة المركزية لاستجابة حلب، فرهاد خورتو، في تصريح صحفي، إن “الآلاف يرغبون في مغادرة دير حافر، ومن بينهم أكثر من 300 سيارة جاهزة للخروج”، إلا أن “قسد” منعت ذلك عبر إغلاق المعابر ووضعت سواتر إسمنتية وترابية، بعضها ملغم.
وأضاف خورتو أن الفرق الإنسانية والطبية في حالة جاهزية كاملة، لكن التهديدات الأمنية وإغلاق المعابر حالت دون وصول المدنيين إلى مناطق الاستقبال، ما أعاق تقديم المساعدة لهم.
وبحسب شهادات نازحين، فإن محاولات الخروج عبر المعابر باءت بالفشل، بعضهم تحدث عن إطلاق نار في الهواء لمنع التجاوز.
هذه الوقائع عززت، بحسب أبي محمود، قناعة كثير من الأهالي بأن الاقتراب من المعابر يحمل مخاطر إضافية، وقال لموقع تلفزيون سوريا: “رأينا أن الابتعاد عن المعابر، رغم خطر الألغام، هو الخيار الأقل سوءًا، لأن المنع كان واضحًا”.
بعد ساعات طويلة من السير، وصلت عائلة أبي محمود، إلى جانب عشرات العائلات الأخرى، إلى مناطق آمنة، حيث تدخلت فرق الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث.
وقال الدفاع المدني، عبر معرفاته الرسمية، إن فرقه واصلت لليوم الثاني تقديم المساعدة ونقل عدد من العائلات وكبار السن والمرضى، بعد تمكنهم من الخروج من مناطق سيطرة تنظيم قسد، رغم الصعوبات الكبيرة المرتبطة بالسير في الأراضي الزراعية، ووجود ألغام، وعبور جسور مدمرة.

وأوضح الدفاع المدني أن النازحين نُقلوا إلى مراكز إيواء مؤقتة خُصصت من قبل اللجنة المركزية لاستجابة حلب، في ريف دير حافر ومنبج والباب، حيث قُدمت لهم المساعدات الأولية.
ورغم الوصول إلى مناطق آمنة، يؤكد أبو محمود أن الخطر ما يزال قائمًا بالنسبة لمن بقوا داخل المدينة، وقال: “كثيرون من أقربائنا لم يخرجوا بعد، الخوف من الألغام يمنعهم، ولا يستطيعون المجازفة بعائلاتهم”.
ومع استمرار إغلاق المعابر، يبقى آلاف المدنيين في دير حافر أمام خيارين كلاهما محفوف بالمخاطر: البقاء داخل المدينة، أو الخروج عبر طرق زراعية غير آمنة، حيث يظل الخوف من الألغام حاضرًا في كل خطوة.
المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى