
في أيلول من العام المنصرم عدت إلى دمشق، وتوجهت إلى مبنى الهجرة والجوازات في المرجة. كانت ساحة المرجة شبه مغلقة أمام حركة المركبات، ويشغل جزءاً منها عشرات الشبان والرجال وبضع نساء مع كراسيهم، معظمهم من الجزيرة السورية. يقول صديق دمشقي: منذ سقط النظام، يجتمع شبان وأهال من الجزيرة، يؤدون الدبكات مساءً احتفالاً بالنصر، ويعلنون أنهم هنا، وأن “المرجة لينا”. هؤلاء القرويون القادمون من الرقة ودير الزور اختاروا العاصمة عنواناً لهم ومقراً لإقامة رمزية. هم الذين همّشوا ليس لعقود بل لقرون، فلم يكن لهم كلمة في المركز ولا قوة من أي نوع في العاصمة، اللهم إلا قوة سواعدهم كعمال مياومين.
يجدون أنفسهم الآن، بعد ثلاثة عشر عاماً من النزوح والشتات والمخيمات والتهجير، أصحاب حق في العاصمة، ومقاتلون ذهب من أولاد عمومتهم آلاف، بل عشرات الآلاف خلال الحرب. هم أولياء الدم، وأولياء البلاد أيضاً، ومن حقهم أن “يحتلوا” قلب العاصمة.
هذه جمهورية جديدة، جمهورية المقاتلين والنازحين، جمهورية أبناء الأرياف المحرومين، جمهورية المهمشين لعقود من السلطة، الممنوعين من الكرامة والحرية، وها هم قد استعادوها ويعيشونها بطريقتهم، التي قد لا يجدها بعضنا حضارية أو معقولة، مثلما لم تكن ماري أنطوانيت أو أسماء الأخرس لتجدا من المنطقي والمعقول أن تهاجم جموع الشعب القصر الملكي في باريس أو القصر الجمهوري في المهاجرين، لينقلوا ممتلكاتهما إلى بيوتهم.
هل يكون احتلال جزء من المرجة مقدمة لاحتلال كامل الساحة؟ وهل يشبه ذلك احتلال متظاهري ميدان التحرير في القاهرة؟
صديقة محامية قرأت ما كتبته عن الشتات الديري في الجزء الأول من هذه السيرة عن سوريا ودمشق من دون الأسد، أرسلت لي تقول:
“.. كل ما كتبته صحيح، بس الانتقام منّا، نحن الذين بقينا تحت سلطة النظام مجبرين، ليش؟ ثانياً، كل ما نقوم بنشاط مدني أو احتجاج من أجلهم وأجلنا، يتصدرون المشهد بالسب والشتائم فوراً، ويوجهون لنا العبارة المعتادة: “وين كنتو خلال أربعة عشر عاماً”؟! والأصعب من هذا، الفوضى في حياتهم بكل مكان.”
دأب السياسيون لعقود على نهب ثروات سوريا ولبنان وإرسالها إلى بنوك أوروبا. ملايين الشعبين السوري واللبناني يسافرون وراء هذه الثروات المنهوبة إلى أوروبا ليستعيدوها بالعمل والشقاء.
بعد عودتي من سوريا علمت أن وجود شباب الجزيرة في ساحة المرجة تحول إلى احتجاج عفوي مفتوح على احتلال قسد لبلداتهم ومدنهم في الجزيرة السورية المختلفة. يقول أحد هؤلاء الشباب: نحن باقون هنا، في دمشق، إلى أن تتحرر الجزيرة من احتلال قسد. شهدت الساحة لأربع جمع متتالية تظاهرات ضد قوات قسد التي تحتل الجزيرة السورية، الأمر الذي أغضب تنظيم قسد. تُرى، هل تتحول ساحة المرجة إلى ساحة تحرير، وإلى تظاهرة أسبوعية لمواجهة احتلال قسد للجزيرة السورية، وكذلك عنواناً شعبياً لمواجهة مشروع قسد السياسي؟
بيروقراطية
تعسّرت وطالت مسيرتي في مراجعة دوائر حكومية خمس، أولها الهجرة وآخرها مجلس الوزراء، لكن تعاون وإيجابية الموظفين الذين راجعتهم كانا كفيلين بتبديد كل انزعاج وتعب. كانت صدمة إيجابية جداً لي، منحتني طاقة إضافية، بل غبطة، أن أرى لأول مرة في تاريخي، وربما في تاريخ سوريا بعد الأسد، موظفين محترمين وإجراءات إدارية تسهّل المعاملات على المراجعين. صالون كبير وعشرات الموظفين يعملون معاً، تنظيم الدور بحيث يمكن إنجاز معظم المعاملات خلال ساعة واحدة أو أقل. هذا ما شهدته على الأقل في اللاذقية ومجمع يلبغا في دمشق.
السمسار الشاب الذي اعتمدت عليه لحجز دور عبر الشبكة لاستخراج جواز سفر جديد ارتكب خطأ كلّفني تأخير يوم عن موعد سفري، ولم تنفع محاولاتي في مجمع يلبغا لتعجيل استخراج جواز السفر. لكن نداء داخلياً كان يقول لي: حسناً إن تأخرت، كانت مؤامرة مني لأمتنع عن السفر عائداً إلى ألمانيا. حسناً، جاءت من المسار وموظفي المجمع ضربة قدر، كأنما الله يستجيب لرغبة داخلية في البقاء هنا في دمشق إلى الأبد. لكن حدث بترتيب آخر أني سافرت رغم كل العوائق عبر الطريق. ربما كان العقل أقوى من رغبتي في البقاء.
رجل ثمانيني شجاع
آخر رجل استمعت إليه وأنا في طريقي إلى كراج السومرية، مغادراً إلى بيروت، رجل في الثمانين من عمره، حكم عليه ضابط مخابرات بالإعدام وترديد الشعار، شعار البعث. فما كان من هذا الرجل الثمانيني إلا أن قال: “لا إله إلا الله”.
هذا الرجل حُكم عليه بالإعدام، فاضطر، وبعد جهد وواسطة، إلى بيع بستانه لينجو من الإعدام.
عن جحافل المغادرين في مطار بيروت
تعسّر السفر حتى في الطريق إلى بيروت. احتجت لإجراء إضافي كون جواز سفري السوري جديداً. سألت الضابط على الحاجز الأخير عن ختم محدد لم يجده على جوازي، فاضطررت إلى ترك سيارة الأجرة والعودة مع “تكتك” يتنقل بين الحاجز ومكاتب الجمارك اللبنانية. هنا خطر لي للمرة الثانية أو الثالثة العودة إلى دمشق، لكني تابعت طريقي ووصلت إلى مطار الشهيد رفيق الحريري.
دأب السياسيون لعقود على نهب ثروات سوريا ولبنان وإرسالها إلى بنوك أوروبا. ملايين الشعبين السوري واللبناني يسافرون وراء هذه الثروات المنهوبة إلى أوروبا ليستعيدوها بالعمل والشقاء، فيمضون حياتهم في الغربة واللجوء ليحصلوا على واحد في المئة من ثرواتهم الأصلية.
نعم، هذا هو النزيف:
عشرات آلاف الشبان والشابات السوريين يغادرون سوريا كل عام.
عشرون يوماً في سوريا أعادتني إلى الحياة، فتيقنت أني عشت في ألمانيا تسعة أعوام في شبه حياة، حياة بلاستيكية، كما لو أني تمثال شمع في متحف شمع وزجاج كبير.
الوصول إلى دوسلدورف
بمجرد مغادرتي المطار باتجاه “الهوب بانهوف” (محطة القطارات المركزية) حلّ علي الحزن. فرفقة أربع أو خمس ساعات في طائرة خطوط الشرق الأوسط قادماً من بيروت، رفقة لا تُنسى مع أناس أراهم لأول وآخر مرة، مقابل برودة دوسلدورف في أواخر أيلول وبرودة البشر. مجاملات وأحاديث بسيطة مع شاب لبناني، وسماعي لأحاديث ونوادر ركاب آخرين، جعلت منها رحلة رائعة. حيوية اللبنانيين وطرافتهم واجتماعيتهم الفائضة تنسي المرء همومه وتخرجه من مود الحزن. طاقة إيجابية تنتشر بين المسافرين، ودفء المجاورة على ارتفاع عشرة آلاف متر ينسي المرء أية مخاوف، ويدفعه للضحك لأي موقف طريف أو مفارقة تبدو مزعجة شكلاً، غير أن ذلك لا يمنع بعض المسافرين من إطلاق تعليقات تجعل منها مفارقة طريفة.
ما إن دخلت شقتي الصغيرة في ضواحي إيسن حتى تشبث بي شيطان الاكتئاب، يرفض أن يعتقني. أصلي الظهر والعصر، وأحاول التسرية عن نفسي بمشاهدة فيلم كوميدي. أنسى قليلاً أني خرجت من سوريا كمن يخرج من الحرية إلى المعتقل، من الحياة إلى شبه حياة، من مجتمع حي طبيعي، رغم فقره المدقع ومخاوفه وقلقه من يوم قادم، إلى “لا مجتمع”، إلى مجتمع غير طبيعي، لا حياة فيه ولا معنى ولا حرارة.
عشرون يوماً في سوريا أعادتني إلى الحياة، فتيقنت أني عشت في ألمانيا تسعة أعوام في شبه حياة، حياة بلاستيكية، كما لو أني تمثال شمع في متحف شمع وزجاج كبير.
المصدر: تلفزيون سوريا






