
قناعات الرئيس الأميركي ترامب وتصرّفاته وتصريحاته جعلتنا نقول إننا أصبحنا في “غاب بلا شريعة”، فماذا عن منطقتنا العربية والشرق الأوسط؟ يكفي أن نتطلّع إلى العلاقة التي تجمع ترامب ورئيس حكومة الاحتلال، نتنياهو. عند لقائه به قبل نهاية العام الماضي (2025) قال المضيف عن ضيفه: “لولا نتنياهو لما كانت إسرائيل موجودة اليوم. وهو نقلها إلى مستويات مرتفعة من القوة. عدم العفو عنه سيكون أمراً صعباً للغاية. والرئيس الإسرائيلي أخبرني بأن العفو مقبل. سنكون دائمًا معك يا بيبي. وسنقف إلى جانبك وسنحرص على إحلال السلام في الشرق الأوسط. نصف أهالي غزّة سيغادرون إذا أتيحت لهم فرصة”. ردّ “بيبي”: “لن نجد صديقاً في البيت الأبيض أكثر قرباً من الرئيس ترامب. لقد منح إسرائيل دعماً غير محدود، ولدينا شراكة متينة مع أميركا. نريد حماية الأقليات في سورية وحدوداً آمنةً معها. لقد خرجت إسرائيل من حرب الجبهات السبع التي فُرضت علينا أقوى دولة في الشرق الأوسط”. وردّاً على سؤال قال ترامب: “لا يقلقني أيّ شيء تفعله إسرائيل. ما يقلقني هو ما يفعله الآخرون أو ما لا يفعلونه”.
نجح اللبناني فرداً في الداخل والخارج، ولكننا لم ننجح جماعةً، للأسف
باختصار ووضوح، ثمّة إطلاق يد لـ”البطل” نتنياهو، وحماية له من المحاكمة أمام الجنائية الدولية أو محكمة العدل الدولية أو المحكمة الإسرائيلية، ويجب العفو عنه، فلولاه لما وُجدت إسرائيل. وبالتالي، أيّاً تكن الخلافات في وجهات النظر حول آليات معينة في غزّة أو سورية، ليس ثمّة ما يؤثر في الأساس المشترك بينهما ولا في تفوّق إسرائيل في المنطقة، ونتنياهو بارع في لعب دوره والمناورة وكسب الوقت لتحقيق غاياته. فكيف إذا كان رئيس أكبر دولة يُقدِم على قرارات وخيارات ضمّ أراضٍ والاستيلاء على ثروات دول ومنابع وممرّات ومواقع دول أخرى من دون حسيب أو رقيب، فيكرّس بذلك ما تقوم به إسرائيل في أرض فلسطين وأراضي عدة دول عربية، ويفتح كل الأبواب أمامها لتغزو وتحتل وتتوسّع وفق حاجاتها، وتحت ذرائعَ تشبه التي يقدّمها ترامب ويبرّر لنفسه على أساسها فعل ما يقوم به؟ وعندما يقول إن لا شيء تفعله إسرائيل يقلقه، بل يقلقه ما يفعله الآخرون أو ما لا يفعلونه، بمعنى: إذا فعلوا شيئاً لا يريده، أو إذا لم يفعلوا ما يريد، فماذا (ومَن) يمكن أن يوقف نتنياهو في اندفاعاته في الاتجاهات كلّها لفرض شروطه على المنطقة؟
وبالتالي، إذا كان ترامب قد حوّل العالم إلى غابٍ بلا شريعة، فإن سيّد “الغاب” الصغير (أي المنطقة العربية والشرق أوسطية) هو نتنياهو، مفوّض بفعل ما يشاء ويحظى بالحماية والرعاية والعناية المفتوحة. وبعد انتهاء زيارته الرسمية، دعاه ترامب ليكون ضيفاً مميّزاً ساهراً إلى جانبه في ليلة رأس السنة، للدلالة على استثنائية موقعه عنده وخصوصية علاقته به.
أشرتُ، في كتابي الصادر عام 2013 “عرب بلا قضية” إلى “تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية. كنا إذا قلنا القضية فهي القضية الأم المركزية والأساس”. اليوم أصبحنا أمام قضايا سورية وليبية وعراقية وسودانية وصومالية ويمنية ومصرية ولبنانية. ومن كل واحدة منها تتفرّع قضايا مناطقية وطائفية ومذهبية وعرقية، تهدر طاقات المنطقة وتهدّد كياناتها. وإسرائيل تتقدّم، ولم يعد احتلالها وحرب إبادتها للشعب الفلسطيني قضية عربية جامعة، والعرب تائهون غارقون في صراعاتهم. وبعد سيطرة ترامب على فنزويلا، وحصوله على الدفعة الأولى من نفطها، وإصراره على السيطرة على غرينلاند باللين أو بالقوة، فهل يردع ذلك نتنياهو، سيّد “غاب الشرق الأوسط” بلا شريعة؟ بالتأكيد لا. وهو يعرف كيف يخطّ طريقه نحو حلم “إسرائيل الكبرى” وتتويج نفسه البطل، والسيّد، وبن غوريون الثاني المكرّس هذا الواقع.
قد تطيح الحسابات الأميركية – الإسرائيلية المشتركة الكيان اللبناني وحدةً ودوراً وفرادةً وميزةً في هذه المنطقة
في قلب هذه العاصفة والحسابات والمتغيّرات، لسنا في كل المنطقة (بالجملة وبالمفرّق) في موقع تحقيق أرباح. نجاحنا هو في الحدّ من الخسائر، وخصوصاً في لبنان. هنا يخطئ من يعتقد أنه بكسر فريق شريك أساس في البلد (على يد إسرائيل تحديداً) يمكن تحقيق ربح. الكل خاسر. ومخطئ من يتصرّف بمكابرة وخيارات الهروب إلى الأمام رغم كل الفظاعات والعدوانية الإسرائيلية. العاصفة قد تقتلع كل شيء. وحسابات الدول وألاعيبها ومصالحها، وتحديداً الحسابات الأميركية – الإسرائيلية المشتركة وتبادل الأدوار في السيطرة والتسيّد، قد تطيح الكيان اللبناني وحدةً ودوراً وفرادةً وميزةً في هذه المنطقة.
وأنا من المقتنعين بأن لا أحد يمكنه أخذ دور لبنان، رغم كل ما جرى، إلا إذا كان قرارنا الانتحار، وبتنا أسرى الحسابات الصغيرة وقصيرة النظر. لقد نجح اللبناني فرداً في الداخل والخارج، ولكننا لم ننجح جماعةً، للأسف. رغم كل الأزمات بقي لبنان جاذباً ساحراً، لكنّه مهدّد، وعامل الوقت ليس في مصلحتنا إذا لم نتعلّم من التجارب ونسعَ إلى حدّ أدنى من التضامن الوطني لإنقاذ هذا البلد الذي لا مثيل له. لبنان الفكر، والثقافة، والعلم، والجامعة، والمستشفى، والمنبر، والإعلام، والحرية، والموسيقى، والفن، والتراث، والآثار، والطبيعة، والجمال، والتنوّع: النعمة. النعمة التي تستحق كل تضحية وتقدير وعناية ورعاية لحمايتها، والثروة التي لا يملكها غيرنا للعيش في ظلّها، لنبني معاً دولة قانون ومؤسّسات. إنه التحدّي الكبير اليوم.
المصدر: العربي الجديد






