ما بعد معركة حلب ليس كما قبلها

أحمد مظهر سعدو

لم يكن ما فعلته قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في حلب مسألة عابرةً، كما أن حالة التمنّع المستمر عن الانخراط (قبل ذلك) في إنفاذ وتطبيق اتفاق العاشر من مارس/ آذار (2025)، ونفاد الوقت والسقف الموضوع لتنفيذه مع نهاية العام الماضي، من دون أيّ أمل في إنجاز ذلك، أوجد أجواءً صعبةً ومعقّدةً في أتون الاشتغال على الاستقرار ووحدة الجغرافيا السورية، وكذلك الوصول إلى تفاهمات تفضي إلى الانضمام واقعياً وعملياً إلى الدولة السورية المنبثقة إبّان إزالة حكم آل الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024.
لم يكن سهلاً على حكومة دمشق أن تصبر طويلاً على “قسد” ومجموعاتها العسكرية التي تمركزت في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية ضمن مدينة حلب، العاصمة الاقتصادية لسورية، أو أن تترك المسألة لكثير من حالات العبث الأمني الذي فاق كل حدّ، وتجاوز كل الاتفاقات والتفاهمات، ومنها تفاهم الأول من إبريل/ نيسان (2025)، حتى بات سكّان مدينة حلب قلقين أمنياً ولا يعرفون ليلهم من نهارهم ضمن حالة القنص المتواصل. إذ وصلت الأرقام الإحصائية للضحايا جراء قنص عناصر “قسد” لأهالي حلب منذ التحرير، وحتى أمس القريب، إلى ما يتجاوز 70 ضحيّةً مدنية. هذه التعدّيات المستمرة على حيوات أهالي حلب وأرواحها، ساهمت في الوصول إلى ضرورة إنهاء ظاهرة وجود مسلّحين “قسديّين” داخل مدينة حلب وخارج إطار الدولة السورية ومحدّداتها.
الآفاق لا يبدو أنها جاهزة نحو عودة أكيدة للمفاوضات لتطبيق اتفاق العاشر من مارس، ويشك السوريون في صدق الأميركيين وجديتهم في تثبيت وحدة الجغرافيا السورية
صحيح أن كل السوريين يتطلّعون إلى حالة جديدة من العدالة الانتقالية، والولوج عملياً في السلم الأهلي في سورية، لكن الصحيح أيضاً أن وحدة سورية (الوطن الجديد) باتت مسألةً لدى السوريين غير قابلة للنقاش، وهي بمثابة الخط الأحمر حقيقةً، ومن الصعب جداً تجاوزه أو تخطّيه. ويبدو أن ما جرى في مدينة حلب، والخسائر الكبرى في البنية التحتية، وأرواح الناس التي أُزهقت بغير وجه حق خارج القانون والمنطق، ومن ثم إخراج مسلّحي “قسد” من الحيّين المذكورين عنوةً، ومن خلال العمل العسكري الذي باشرت فيه قوات الأمن الداخلي السوري بالتعاون مع الجيش العربي السوري، سوف يترك آثاره وانعكاساته في مقبل الأيام على مجمل حالة المفاوضات المفترضة بين “قسد” والحكومة. فيقال إن ما جرى لن يكون من السهل تجاوزه بعد حرب صغيرة، لكنّها مؤلمة وصعبة، ثمة آلام وجراح من الطرفَين لا بدّ أن الواقع يقول إنه ليس من السهولة بمكان تجاوزها والعودة إلى طاولة المفاوضات والحوار، رغم أهمية ذلك لكلا الطرفين، وإدراك الجميع أنه لا مناص من الاستمرار في هذا الحوار الضروري، توخّياً للاشتغال على الوصول إلى آليات جديدة في تطبيق البنود الثمانية للاتفاق المعني (العاشر من مارس).
لعل تلك الجراح العميقة والمقلقة التي خلّفتها حالة الاقتتال في الحيَّين ستترك أثرها بكل تأكيد في مجمل المشهد السوري وحيثياته، رغم حرص حكومة دمشق الكبير في الممارسة الميدانية أثناء العملية العسكرية على ضرورة الاستفادة من تجارب صعبة وسلبية سابقة كانت قد حصلت في الساحل السوري، وكذلك ما جرى في جنوبي سورية مع محافظة السويداء. فقد كان أداء عناصر الأمن السوري والجيش أيضاً أثناء الاقتحام للحيّين المذكورين مميّزاً وحريصاً على سلامة المدنيين السوريين في كلا الحيَّين، إذ خرجت المعارك بحرص حقيقي بعيداً عن المدنيين، ومن دون خسائر كبيرة، وكذلك ضمن مسارات المعايير والقوانين الدولية في التعامل مع مثل هذه الحالات.
الاتفاق مع “قسد” كان (ولا يزال)، وبعد الشيخ مقصود والأشرفية، ضرورةً وطنيةً حفاظاً على الوطن السوري موحّداً، ومنعاً لاحتمالات اقتتال داخلي جديد قد يؤدّي إلى حالة جديدة ومفتعلة من العداء بين الجهتَين، وبين المكوّنات السورية عموماً، يصعب بعدها ابتلاعها وهضمها، أو إعادة القطار إلى سكّته الأولى بالضرورة. ولكن الآفاق لا يبدو أنها جاهزة نحو عودة أكيدة للمفاوضات، رغم الرغبة الأميركية في ذلك، حيث بات الشك كبيراً لدى السوريين في أن الأميركيين غير صادقين، وغير جادّين في الضغط على الأطراف وصولاً إلى تثبيت وحدة الجغرافيا السورية، وأن الواقع الأميركي في التعاطي مع المسألة يختلف تماماً عن التصريحات الإيجابية، التي تقول صباح مساء: حرص أميركا على وحدة سورية.
الاتفاق مع “قسد” ضرورةٌ وطنيةٌ حفاظاً على الوطن السوري موحّداً
المهم أن الأيام المقبلة ما زالت حبلى بالكثير، وتشي بعديد من حالات متراكمة من العثار الكبير الذي يتوقّعه بعضهم، وسط تحدّيات وطنية كبيرة، وبعثرة أكيدة لكثير من حالات الاندماج والوحدة، ثم تعنّت واضح المعالم لدى بعض قيادات “قسد” المتشدّدة، والتي كما يقال ليست سورية ولا تهمّها كثيراً وحدة سورية، وهي التي سبق أن أتت من جبال قنديل كوادر أساسية لحزب العمال الكردستاني المنضوي في “قسد”. بينما يحاول جماعة “قسد” السياسيون السوريون الوصول إلى تفاهمات جديدة مع دمشق تقطع الطريق على مجمل التدخّلات الخارجية، وتنهي بالضرورة حالة الاحتراب الداخلي. وهو ما تضغط به وعلى أساسه منذ فترة طويلة كثير من الأحزاب والقوى الوطنية الكردية خارج إطار حزب الاتحاد الديمقراطي، العصب الرئيسي لـ”قسد”، ومن ثم وحدة كل الجغرافيا السورية.
قد يكون ما بعد حلب كما قبلها حقيقةً، وهكذا يُقرأ المشهد حالياً. ولعل كيفية التعاطي مع المتغيّرات الحاصلة تختلف من جهة إلى أخرى. والتدخّلات الخارجية ما زالت موجودةً وكثيرةً، ومنها أيضاً التدخّل الإسرائيلي المستمر، وهو يشكّل خطراً دائماً على السوريين والإقليم، فالإسرائيلي لا يريد بالضرورة أيَّ استقرار في سورية، كما لا يريد ولا يحبّذ وحدتها، رغم التوقيع بالأحرف الأولى على التفاهم الأمني في باريس أخيراً بين إسرائيل ودمشق. إذ ما زالت التدخّلات موجودة، والتعدّيات على الأراضي السورية من إسرائيل واقعاً يومياً لدى أهالي محافظة القنيطرة السورية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى