السينما وغزّة تنتصران في برلين

معن البياري

كان سخيفاً من صحيفةٍ ألمانيةٍ أن تُسائل مديرة مهرجان برلين السينمائي السابقة، في دورته في 2024، المخرجة مارييته ريسينبيك، عن سبب اختيار الممثلة الكينية المكسيكية، لوبيتا نيونغو، رئيسةً للجنة التحكيم، وقد وقّعت، مع آخرين، على رسالةٍ إلى الرئيس الأميركي، جو بايدن، تطالبه بالضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار في غزّة. وفي الوقت نفسه، جاء حسناً من المديرة أن تجيب عن سؤالٍ صحافي لها إن كانت تعتقد أن السينما يمكن أن تلعب دوراً في السياسة بأن الناس بفضل السياسة يعرفون ما يجري، وبفضل السينما يعرفون آراء متنوّعة. … كان المهرجان في دورته قبل عامين، على ما كتبتُ في حينِه، أقرب إلى مناسبةٍ تضامنيةٍ عالميةٍ مع القضية الفلسطينية، ومن ذلك أن عضو لجنة التحكيم، الممثلة الإيطالية، جازمين ترينكا، هاجمت ما تقترفه إسرائيل في غزّة، وأن المخرج الأميركي، بن راسل، تسلّم جائزة فيلمه والكوفية الفلسطينية على كتفيه، وسمع حضورُ حفل الاختتام منه أنه مع الحياة وضد الإبادة، ونادى بوقف إطلاق النار. وهتفت الفرنسية السنغالية ماتي ديوب، وهي تتسلّم جائزة الدبّ الذهبي عن فيلمٍ وثائقي لها، أنها مع فلسطين. وقد اضطرّت إدارة المهرجان إلى إصدار بيان “تتبرّأ” فيه ممّا سمتها “انتقادات أحادية لإسرائيل”، في أثناء فعاليات العروض وحفل الاختتام الذي فتحت بشأنه وزيرة الثقافة الألمانية، كلوديا روث، تحقيقاً (!). ولكن المدير الفني للمهرجان، الإيطالي كارلو شاتريان، مع مسؤول البرمجة، الكندي مارك بيرانسون، رفضا، في بيانٍ لهما، “اللاسامية سلاحاً وأداة لغايات سياسية”.
… كما انتصرت غزّة في المهرجان في دورته تلك، فإن ما شهدته هذه التظاهرة السينمائية العالمية العام الجاري، قبل أيام، جاء انتصاراً مُضافاً، ما جعلها موضع اشتباكٍ بين الحكومة الألمانية وأهل السينما، ومنهم إدارة المهرجان التي يبدو أنها تُصارع من أجل استقلاليّتها، ولاحتفاظها بمساحتها الخاصة. وكان الظنّ أن الحكي العتيق عن صلة الفنون بالسياسة قد غادرنا منذ المطارحات عن مقولة سارتر عن الالتزام، فالجمال والحرّية ومناوأة كل قبحٍ من مشاغل الفنون والآداب، ولكن رئيس لجنة التحكيم في المهرجان، المخرج الألماني، تيم فيندرز، أراد أن يعيدنا إلى القصة من أولها، عندما أجاب عن سؤال صحافي، عن صمت اللجنة بشأن الإبادة في غزّة، فقال إن على السينما أن تبقى خارج السياسة، وعلى صنّاعها أن يبتعدوا عنها، لأن دخولهم فيها، بحسبه، يجعلهم يتصرّفون بوصفهم سياسيين، لا فنانين. والرجل في كلامه هذا يستعبط ويتذاكى. وحتى لو “تواطأنا” معه، وافترضنا صحّة ما يقول، ما علاقة فظائع الإبادة الجماعية في الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في غزّة بالسياسة؟. ليس من حيّزٍ للسياسة هنا، بل لقضية الإنسان ووجوده وحقّه في الحياة، فالحادثً على الشعب الفلسطيني هناك في صميم مشاغل الفنون، وفي مقدّمتها السينما. ولم تتزيّد الروائية الهندية، أرونداتي روي، عندما ردّت على هذا الكلام بأنه “محاولةٌ لإسكات النقاش حول جريمة تُرتكب على مرأى العالم، فيما على الفنانين والكتّاب وصنّاع الأفلام استخدام منصّاتهم للتعبير والمساءلة”، وأعلنت سحب فيلم لها من المهرجان.
زيدت على هذا الانتصار للفنون ولفلسطين معاً رسالةٌ مفتوحةٌ إلى إدارة المهرجان، أعلن فيها نحو 80 سينمائياً، بينهم مخرجون ونجوم شهيرون، انتقدت صمت المهرجان حيال جرائم الاحتلال الإسرائيلي، وأكّدوا اختلافهم مع فيندرز، إذ لا يمكن، بحسبهم، فصل السياسة وصناعة الأفلام. وما يؤكّده هذا، وتالياً التضامن مع المخرجة التونسية، كوثر بن هنية، في رفضها مناصفة جائزةٍ لها عن فيلمها “صوت هند رجب”، مع جنرال إسرائيلي، وكذا مناصرة مئاتٍ من عاملين في المهرجان ومن صنّاع السينما وفنانيها، في “عريضة” رفيعة القيمة الثقافية، مديرة المهرجان، تريشيا باتل، للحؤول دون إقالتها في معرض تداول الحكومة الألمانية في مستقبل المهرجان، يؤكّد هذا كله أن إسرائيل في هزيمةٍ مشهودةٍ أمام هذا الانتصار الأخلاقي والإنساني والإبداعي لفلسطين. ولم تقترف المديرة فعلاً مستنكراً عندما شاركت في صورة جماعية رفع فيها علم بلاده المخرج الفلسطيني عبدالله الخطيب الذي لم يتجاوز حرية التعبير لدى الفنان والمثقف لمّا جهر بأن ألمانيا شريكة في حرب الإبادة…
قالت باتل إن المهرجان كان عاطفياً وصعباً. ولنا أن نقول إن أهل السينما فيه انحازوا إلى الجمال، وإلى أولى وظائف الفنون، لمّا ساجلوا واشتبكوا وساءلوا وكانوا صوتاً ضد إبادةٍ مستمرّةٍ في غزّة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى