في ديكولونيالية كرة القدم الأفريقية

المهدي مبروك

ما الذي جسَّرك، ميشال كوكا، حتى تبقى مُنتصب القامة وسط هذا الضجيج كلّه من حولك؟ كيف لك أن تتحمّل الساعات السبع، المدّة التي لعبها المنتخب الكونغولي في بطولة أفريقيا، وقد قضيتها واقفاً بلا حراك، رافعاً يدك؟ من أين أتيتَ بالفكرة، مُعيداً لنا ذكرى باتريس لومومبا؟ وما الذي تريد قوله؟ هل تدرّبت على هذا الصنيع المُضني حتى تُخرجنا من روتين المناصرة؟ وكيف استطعت أن تكون رشيقاً تحت الضغوط، على حدّ عبارة هيمنغواي؟
“كل شقاء الإنسان آتٍ من شيء واحد: عدم قدرته على الجلوس بهدوء ومن دون حركة في غرفة بمفرده”، كما قال باسكال. لم يكن ميشال كوكا يلهو كأبناء وطنه في المدرّجات، لقد كان النقيض الكامل لشروط المناصرة، ولشروط الإنسان الحَرِك. كان خارج السرب، حاملاً عبر جسده وفي داخله فكرة. سيظلّ ميشال كوكا صامداً حتى لو سجّل منتخبه هدفاً؛ فقوة الفكرة في أنها أكبر من اللحظة التي تنفجر فيها الحناجر مهلِّلة بالوطن. سيحتفل بالانتصار وحيداً في داخله، من دون أثرٍ ظاهر. باتريس لومومبا الحاضر عبره وداخله هو الأبقى والأضنى.
مُهجة ستينيّات القرن الماضي كانت مهجة التحرّر الأفريقي من الاستعمار الغربي، لكن هذه المُهجة انطفأت أمام تعثّر البناء الوطني
كان في الاحتمال أن يغادر هذا المناصر الكونغولي، بعد انسحاب منتخب بلاده، وقد أدّى ما اعتُبر فريداً في ملاعب كرة القدم، لولا استفزازٌ طفولي أعطى للفكرة وقتاً إضافياً للتأويل وإعادة التأويل. بدأ مشهد الإثارة حين توجّه اللاعب الجزائري محمد عمّورة بالإشارة إلى ميشال كوكا ثم سقط أرضاً. هل هو سقوط الفكرة أم سقوط المنتخب الكونغولي؟ نعلم جيداً أن عالم كرة القدم أكثر العوالم قابليةً للتأويل. كرة القدم هي النص الوحيد الذي يصنع التأويلات من دون حدود، والجميع، من دون استثناء يشارك في التأويل. إنها لعبة الشقاء الإنساني.
اتجهت شبكات التأويل نحو “سقوط الفكرة”، التي في البدء لا يعلمها إلا القليل، وبدأنا في اكتشاف لومومبا واستعادته. خرج من جلباب ميشال كوكا. قُتل الكاتب إلى حين، كما تقول البنيوية، واتجهت الأنظار إلى المناضل الأفريقي الذي طواه النسيان، كما غيره، لولا نصبه التذكاري في العاصمة كينشاسا.
وانبرت وسائل التواصل الاجتماعي الرقمية، كما هي طقوسها، باحثةً عن هذا العائد من أدران النسيان. إنه مناضل أفريقي من جيل الشباب في ستينيّات القرن الماضي، عاصر حركات التحرر الوطني في أفريقيا وشارك فيها. كان صنْواً لزعامات كبيرة في ذلك العصر. انتخبه شعبه رئيساً للوزراء بعد الحصول على الاستقلال، وخاطب المستعمر القديم، بلجيكا آنذاك، معلناً رؤيةً جديدةً لمعنى استقلال بلاده، وسط ذهول ملك بلجيكا بودوان الذي كان حاضراً في حفل التنصيب، من دون أن يذكر في خطابه ما فعلته بلجيكا بالشعب الكونغولي، سوى أنها أدخلته في الحضارة المدنية. وقع اغتياله بشكل بشع سنة 1961 بتواطؤ بين موبوتو ومرتزقة بلجيكيين. وفي الأثناء، اعترفت بلجيكا بمسؤوليتها الأخلاقية عن هذا الاغتيال.
بلغ التأويل مداه حين كان الاستفزاز من لاعب جزائري. تجاوزت المسألة اللاعب وما أتاه، وتحرك السجلّ السياسي، وتحركت الجزائر الأفريقية. الأمر في غاية الإحراج: كيف الخروج من فرحة الانتصار والانتقال إلى الاستدراك الذي يعني طلب الاعتذار الرسمي؟ هنا استدعى الاتحادي الجزائري لكرة القدم ميشال كوكا، وكرّمه واعتذر له، وأهداه قميصَ المنتخب الأول وعلى ظهره اسم لومومبا، وأهداه قميصَ الاعتذار الشخصي، وهو القميص الثاني للمنتخب، وعلى ظهره اسم عمورة صاحب الفعلة. طُويت الصفحة بين لومومبا والجزائر؛ وهذا غالباً ما يحدث في كرة القدم: الرموز تُعالَج بالرموز.
تحوّل التأويل بعدها إلى بحثٍ في التاريخ الأفريقي لدول المنطقة. موبوتو، الذي اغتال لومومبا، انتهى هارباً إلى المغرب سنة 1997، وصورٌ أخرى تُظهر الملك محمد الخامس لدى استقباله لومومبا في الرباط سنة 1960، وتقليده إياه الوسام الكبير لقلادة العرش العلوي. صورٌ أخرى تأتينا من تونس: استقبال الرئيس الحبيب بورقيبة للمناضل الأفريقي باتريس لومومبا صيف 1960. كان لقاءً بين زعيمٍ براغماتي وآخر ثوري في منتصف ثلاثينيّات عمره. وفي الأثناء، تُتداوَل صورٌ في المنصّات حول الزعيم التونسي المنجي سليم، الذي اعتُبر الظهير الدبلوماسي للكونغو في منظمة الأمم المتحدة.
لم يكن للمصريين أن يفوّتوا هذه الفرصة من دون أن يأخذوا نصيبهم من الحدث. نشروا صوراً ومواقف مصر من الكونغو ومن باتريس لومومبا. لا نجد في الصور لقاءً بين عبد الناصر ولومومبا لأنهما لم يلتقيا قَطّ. تولّت الدولة المصرية مساعدة زوجة لومومبا وأبنائه على الهروب، وحصلت العائلة على ضيافة الدولة المصرية ورعايتها لسنوات طويلة.
مُهجة ستينيّات القرن الماضي كانت مهجة التحرر الأفريقي من الاستعمار الغربي، لكن هذه المُهجة انطفأت أمام تعثّر البناء الوطني، لتعود مع مانديلا في بداية تسعينيّات القرن الماضي ضمن نفس جديد للتحرر الأفريقي.
كرة القدم النص الوحيد الذي يصنع التأويلات من دون حدود
كرة القدم هذه لا تستحي من أي شيء؛ لا حدود لها، وتعطيك ما لا يمكنك انتظاره. من كان يتوقّع أن يرجع باتريس لومومبا بهذا الألق كلّه عبر مباراة كرة قدم؟ تمنحك كرة القدم ملامسةً سوريالية للوجود البشري، بل هي اختزالٌ له من دون مواربة. بإمكاننا هذه المرّة أن نناقش فكرة ديكولونيالية (تفكيك الاستعمار) كرة القدم الأفريقية بوصفها ثقافةً وأسلوبَ حياة ورموزاً وهُويّة. في سنوات مضت كان فريق جبهة التحرير الجزائري يقود ثورة داخل الثورة، والآن صارت الحرب على غزّة في كل مدرجات كرة القدم عبر العالم، في تضامن ديكولونيالي مبهر. غيّرت كرة القدم موقفنا منها: من “أفيون للشعوب” لتتحوّل إلى مُلهمة لها.
لقد ألهمنا “الرشيق تحت الضغوط” ميشال كوكا روح باتريس لومومبا، وترك فينا، مع ذلك، أسئلة القارة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى