الفيدرالية كمقدمة للانفصال

منهل عروب

في كل مرة يثور فيها النقاش حول مستقبل سوريا، تعود “الفيدرالية” إلى الواجهة بوصفها حلاً سحرياً لأزمة مركبة: دولة منهارة، مجتمع ممزق، وخوف جماعي من عودة المركز بصيغته الأمنية القديمة. غير أن المشكلة لا تكمن في الفيدرالية بوصفها مفهوماً سياسياً، بل في الطريقة التي يُعاد إنتاجها بها داخل السياق السوري، وفي الوظيفة التي تؤديها فعلياً على الأرض. فالفيدرالية، كما تُطرح اليوم، لا تبدو إطاراً لتنظيم الدولة بقدر ما تبدو مقدمة منهجية للخروج منها.
الفيدرالية، في أصلها، نظام سياسي ـ إداري لتوزيع الصلاحيات داخل دولة واحدة ذات سيادة. هي آلية حكم لا تُلغي المركز، بل تعيد تعريفه، ولا تُنشئ كيانات مستقلة، بل تنظّم العلاقة بين أجزاء الدولة ضمن عقد دستوري جامع. لذلك، لا تُولد الفيدرالية في الفراغ، ولا تُفرَض على مجتمعات فاقدة للسيادة، بل تأتي نتيجة تسوية سياسية داخل دولة مستقرة نسبياً، تمتلك دستوراً، مؤسسات، واحتكاراً مشروعاً للعنف. من دون هذه الشروط، تتحول الفيدرالية من نظام حكم إلى أداة تفكيك، ومن حلّ سياسي إلى إعادة رسم للخريطة تحت مسميات تقنية أخرى.
يُستحضر النموذج الألماني بكثافة في هذا النقاش، غالباً بوصفه الدليل العملي على إمكانية الجمع بين وحدة الدولة وتعدّد مكوناتها. غير أن هذه المقارنة، عند تفكيكها، تكشف عن فجوة عميقة بين السياقين. فالولايات الألمانية لا تمتلك جيوشاً، ولا موارد سيادية مستقلة، ولا علاقات خارجية خاصة بها، ولا خطاباً هوياتياً مقابل المركز ومضاد له، بل يُظهر التنوع ويعترف بالخصوصية ضمن الدولة وقيمها الأساسية المشتركة المنصوص عليها في الدستور. الفيدرالية هناك تنظيم للداخل، لا مشروعاً للتمايز الأيديولوجي والمشاريع السياسية والطائفية المتضادة والمتنافرة. استدعاء هذا النموذج إلى سوريا، من دون الاعتراف بالفارق الجذري في الشروط، ليس سوى تمرين لغوي يضفي شرعية شكلية على مشاريع مختلفة في جوهرها.
هذا ما يظهر بوضوح في تجربة “قسد”. فالخطاب المعلن يتمحور حول الديمقراطية، التعددية، واللامركزية. لكن الممارسة على الأرض ترسم صورة مختلفة: قوة عسكرية مستقلة، إدارة حدود، سيطرة على موارد نفطية، مناهج تعليم خاصة؛ تحمل قيماً تربوية وأيديولوجية مختلفة ومتضادّة، وعلاقات خارجية مباشرة ليس فقط أميركية، بل مع دولة تحتل الجزء الجنوبي من سوريا وفق قرارات الأمم المتحدة نفسها. هذه ليست مجرد صلاحيات إدارية موسعة، بل مقومات دولة مكتملة الأركان. وحين يمتلك كيان ما أدوات السيادة الأساسية، فإن تسميته “فيدرالية” لا تغيّر من وظيفته السياسية. المسألة هنا لا تتعلق بالنوايا المعلنة، بل بالبنية الواقعية التي تتشكل بعيداً عن أي إطار وطني جامع. والنتيجة، مهما تأجل الإعلان عنها، هي انفصال فعلي ينتظر لحظة سياسية مواتية.
الانفصال، في هذا السياق، لا يُفهم بوصفه قراراً أو استفتاءً أو بياناً رسمياً، بل كممارسة تراكمية. يبدأ عندما تتوقف النخب المحلية عن تخيل نفسها جزءاً من الكل، ويُعاد تعريف المركز بوصفه تهديداً وجودياً، وتُستبدل المواطنة بالهوية. هذا ما يمكن تسميته بالانفصال الزاحف: واقع يُبنى بصمت، ويتقدم تحت غطاء الخوف والحماية، إلى أن يصبح أمراً واقعاً لا يحتاج إلى إعلان.
هذا من ناحية التحليل النظري، ولكن عملياً في الحالة السورية لا يخفي قياديّي قسد نواياهم في إنشاء دولة كردستان الكبرى، وأن روج آفا هنا ما هي إلا الخطوة الأولى ونواة الحلم الكبير. ففي المؤتمر الأخير مثلاً، وبالتوازي مع مفاوضات الاندماج مع دمشق ونفي قسد رغبتها الانفصالية، كان مظلوم عبدي يُبشر باقتراب حلم الدولة الكردية!
مثال آخر لديه سوابق قانونية في محاولات الانفصال تحت شعار حق “تقرير المصير”، الذي يحتج به مؤيدي الحركات الانفصالية في سوريا، وهو الولايات المتحدة الأميركية. حيث لا يتضمن الدستور أي نص يتيح للولايات الحق في الانفصال. وقد تعرضت الولايات المتحدة الأميركية تاريخياً لمثل ذلك الامتحان مرتين: الأولى عام 1869 في قضية تكساس. فقد قضت المحكمة الدستورية ببطلان الانفصال، وأنه غير دستوري، وأن الاتحاد بين الولايات هو دائم وغير قابل للانفصال.
المثال الثاني هو النقاش حديثاً في رغبة كاليفورنيا في الانفصال. والذي يستند مؤيدوها على مبدأ حق “تقرير المصير” الذي ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة. ولكن كثير من الفقهاء الدستوريين يشيرون إلى أن هذا المبدأ يُطبق في سياقات الاستعمار والاحتلال العسكري. ولا ينطبق على منطقة من دولة ما مختلطة عرقياً وإثنياً، ويريد تيار معين أو قوة أمر واقع تنفيذ رؤيتها الخاصة بالانفصال. كما في التجربة الإسبانية في محاولة الانفصال الكتالوني، حيث رفضته الحكومة المركزية في مدريد والاتحاد الأوروبي، وتعرض المتشددون منهم للمحاكمة.
هذا المنطق لا يقتصر على الشمال الشرقي. ففي الجنوب، يظهر خطاب مماثل لدى مشروع الهجري، قائم على حماية الطائفة، والإدارة الذاتية، ورفض حكومة دمشق بوصفها خطراً لا حكومة مركز يعمل من خلالها وفقاً للقوانين الناظمة ـ فهو يطلق عليها اسم النظام الداعشي ـ  في إشارة إلى عدم شرعيتها وتجريمها، أي بشكل غير مباشر الدعوة للقتال ضد الحكومة المركزية. وفي الساحل، يطفو خطاب “إعادة تكوين سردية المظلومية والاضطهاد الطائفي” والخوف الوجودي، والبحث عن كيان طائفي حامٍ في مواجهة “نظام إسلامي متطرّف”. الجغرافيا مختلفة، والفاعلون متنوعون، لكن المنطق واحد: الهروب من الدولة بدل الاشتباك مع فكرة إعادة بنائها. هذه ليست مشاريع سياسية، بل ردود طائفية على الحكومة المركزية، تُلبس نفسها لبوس الحل الإداري.
هنا يحدث الانقلاب المفاهيمي الأخطر. فالفيدرالية، بوصفها تنظيماً للسلطة داخل شعب، تتحول إلى أداة لتنظيم شعوب داخل سلطات طائفية. وحين تُختزل الفيدرالية في طائفة أو مكون، تفقد معناها السياسي وتتحول إلى مشروع انفصال، حتى لو لم يُسمه أحد كذلك.
لا يمكن إنكار مخاوف السوريين، ولا التقليل من حجم العنف الذي تعرضت له جماعات مختلفة. لكن الخوف، حين يتحول إلى برنامج سياسي، لا يُنتج دولة، بل كيانات متجاورة، متعادية وبلا أفق جامع. والفيدرالية، حين تُطرح خارج الدولة، لا تحميها، بل تُسرّع تفككها. سوريا لا تحتاج إعادة رسم حدودها باسم الحماية، بل إعادة بناء معناها كدولة. وكل طريق يبدأ بتجاوز فكرة الدولة، مهما كانت مبرراته، ينتهي بالانفصال… ولو بعد حين.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى