
بعد عملية عسكرية أميركية إسرائيلية مشتركة واسعة النطاق ضدّ إيران في الـ 28 من الشهر الماضي (فبراير/ شباط)، أدت إلى اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وتدمير أجزاء كبيرة من البنية التحتية العسكرية والنووية في عدة محافظات إيرانية، شنّ الحرس الثوري الإيراني حملةً انتقاميةً واسعةً لم تستهدف إسرائيل فحسب، بل ركّزت أيضاً، على نحوٍ أشدّ دلالة، على أراضي الإمارات والبحرين وقطر والكويت والسعودية وعُمان. وللمرّة الأولى، تعرّضت جميع الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي لهجوم مسلّح متزامن من جهة واحدة في 24 ساعة.
لم يصدر أيّ تفويض من مجلس الأمن لعملية 28 فبراير، ولم تقدّم الولايات المتحدة أو إسرائيل ما يثبت وقوع هجوم مسلّح على أراضيهما أو مواطنيهما يبرّر اللجوء إلى الدفاع عن النفس. والأكثر أهميةً أنّ الضربات نُفّذت في ظلّ مسار تفاوضي قائم بوساطة عُمانية، كانت إيران قد أعلنت ضمنه قبولها بالتخلّي عن تطوير مواد تصلح لصناعة سلاح نووي.
من ناحية المبدأ، تملك إيران حقّ الدفاع عن النفس بموجب المادة الـ 51 من ميثاق الأمم المتحدة، مع اشتراط استيفاء الردّ الإيراني لمعايير القانون الدولي. لقد وجّهت إيران مئات الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة نحو منشآت عسكرية أميركية في أراضي دول ذات سيادة لم تكن طرفاً في الهجوم على إيران. وأكّد الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، جاسم البديوي، أن دول المجلس أوضحت مراراً لطهران، في اجتماعات ومناسبات مختلفة، أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي في أيّ عمليات عسكرية ضدّ الجمهورية الإسلامية. وتبقى مسألة ما إذا كانت الدولة التي تستضيف قواعد عسكرية أجنبية تصبح هدفاً مشروعاً بمجرّد استخدام هذه القواعد في عمليات ضدّ دولة ثالثة، من أكثر المسائل جدلاً في الكتابات القانونية المعاصرة المتّصلة بقانون استخدام القوة وقانون النزاعات المسلّحة. غير أن الرأي السائد، المؤسَّس على مبدأ المساواة في السيادة وحظر استخدام القوة، يميل إلى أن مجرّد وجود منشآت عسكرية أجنبية لا يحوّل الدولة المضيفة طرفاً مشاركاً في الحرب، ولا سيّما إذا لم تُصرّح الدولة المضيفة بالعمليات العسكرية المعنية أو تُسهّلها فعلاً.
التوصيف الإيراني الشامل لجميع القواعد الأميركية في المنطقة بأنها أهداف مشروعة يمحو هذا الفارق القانوني، ويُعامل الدول المضيفة عملياً امتداداً للقوة العسكرية الأميركية، بما يقوّض مضمون سيادتها التي يكفلها القانون الدولي. وقد رفض مجلس التعاون الخليجي، عبر سفير البحرين لدى مجلس الأمن، هذا المنطق رفضاً قاطعاً، محمّلاً إيران المسؤولية الكاملة عن الهجمات، ومؤكّداً أن أيَّ تبرير أو تأويل متعسّف للقانون الدولي ليس له أن يضفي الشرعية على هذا السلوك.
حتى عندما تمتلك الدولة أساساً قانونياً لاستخدام القوة، يفرض القانون الدولي الإنساني قيوداً صارمةً على طريقة إدارة الأعمال العدائية
حتى عندما تمتلك الدولة أساساً قانونياً لاستخدام القوة، يفرض القانون الدولي الإنساني قيوداً صارمةً على طريقة إدارة الأعمال العدائية. ففي دول الخليج، قُتل أربعة أشخاص على الأقلّ وأُصيب أكثر من مائة، ولحقت أضرار بمطارات مدنية في دبي وأبوظبي والكويت. كذلك استُهدفت مبانٍ سكنية في البحرين بصورة مباشرة، وأصابت طائرة مسيّرة مساكن في الدقم عُمان، واشتعلت النيران في برج العرب في دبي نتيجة حطام صواريخ اعتراضية، وتعرّضت بنى تجارية حيوية، بما فيها ميناء جبل علي في دبي، للقصف. وفي البحرين، أجلت وزارة الداخلية السكّان من منطقة الجفير بعد تصاعد دخان كثيف من محيط مقرّ الأسطول الخامس الأميركي، وهو مقرّ يقع داخل حي سكني مكتظّ بالسكّان.
استهداف إيران لدول الخليج يعكس حسابات تقوم على إخراج الصراع إلى الخارج بدلاً من تلقّي الضربات بصمت. فمن منظور طهران، إذا كان بقاء النظام على المحكّ، فإن حوافز ضبط نطاق المواجهة جغرافياً تتضاءل إلى حدّ بعيد. والتوسّع في مسرح العمليات يرفع الكلفة على شركاء الولايات المتحدة، ويوجّه رسالةً، أنّ أيَّ محاولة لتفكيك النظام الإيراني ستنتج ارتدادات واسعة عبر المنطقة.
كذلك فإن سرعة الردّ الإيراني، الذي وقع خلال نحو أربع ساعات من الضربات الأولية، توحي بوجود استعداد وتنسيق مسبقَين، ما يدلّل على أنه رغم تراجع القدرات الإيرانية خلال المواجهة في يونيو/ حزيران 2025، فإن إيران احتفظت بقدرة معتبرة على تنفيذ ضربات صاروخية وباستخدام الطائرات المسيّرة. وفوق ذلك، أدّى اضطراب حركة مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره ما يقارب 13 مليون برميل من النفط الخام يومياً، إلى تهديد مباشر لسلسلة إمدادات الطاقة العالمية. فقد تعرّضت بعض السفن لهجمات، وتوقّفت حركة ناقلات النفط، وارتفعت أسعار النفط بنحو 10%، وأُغلقت الأجواء في ثماني دول على الأقلّ. ويعتمد تحوّل هذه الأزمة إلى نقطة تحوّل نحو خفض التصعيد أو بوابة إلى حرب إقليمية أوسع نطاقاً على خيارات لا تزال غير محسومة.
المصدر: العربي الجديد






