بعد الحرب على إيران

جعفر العلوني

كيف يمكن لنظامٍ أن يعارض هيمنة الخارج، فيما يهيمن هو نفسه على أشكال الحياة الداخلية كلّها؟ وكيف يمكن أن يتخلّص من العبودية التي يفرضها الخارج وهو نفسه يستعبد الداخل؟ وكيف يمكن أن يرفض رقابةَ الخارج وهو يضع الحجب على وجوه الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمدنية والإعلامية؟
لكنّ هذا كلّه شيء، وأن يُدان الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران ويُعمل لإيقافه بالسرعة القصوى، شيء آخر تماماً. وهذه المحاولة لإيقاف الحرب لا تعني الموافقة على أخطاء النظام الإيراني أو انتهاكاته؛ فهي كثيرة، وربّما لن تكفي هذه السطور لتعدادها، لكنّ العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران يكشف حقائقَ ساطعةً لا يمكن للأصابع الصغيرة أن تحجبها، ولا لرؤوس النعام، مهما كانت مطمورةً في التراب، أن لا تراها.
ليس هذا الهجوم نتيجة أخطاء إيران الكثيرة أو سياساتها في المنطقة. هو تحرّك مدفوع بأجندة جيوسياسية، وفيه ترتدي الدول المعتدية ثوب العدالة والحرية لتبرير ما هو في الأساس صراع للهيمنة والنفوذ. ولا يتعلّق الهجوم بمحاربة الدكتاتوريات أو الدفاع عن العالم الحرّ. فالولايات المتحدة لها تاريخ طويل في دعم أنظمة مستبدّة أو تغيير حكام، فقط لاستبدالهم بآخرين، من أميركا اللاتينية إلى العراق وليبيا وأفغانستان. وإسرائيل لها تاريخ طويل من الإبادات والمجازر. ولا يتعلّق الهجوم كذلك بوقف برنامج إيران النووي، وهو ما كان ممكناً التفاوض حوله والوصول إلى اتفاق بشأنه. كما لا يتعلّق بالتضامن مع المعارضين الإيرانيين أو النساء المضطهدات. وليس الهدف، كما يُشاع، نشر الديمقراطية أو الحرية أو حقوق الإنسان في إيران، والقضاء على الفقر والجهل، والعلمنة، وتحرير المرأة. كلّا، ليس الهدف هذا كلّه، والمشكلة الحقيقية ليست في النظام الإيراني وحده. الهدف الحقيقي هو القضاء على كلّ ما يتعارض مع خطّة إسرائيل للسيطرة على الشرق الأوسط، ضمن ما يُسمّى “إسرائيل الكبرى”. ولتنفيذ هذا المشروع تُستخدم الأكاذيب: التهديد النووي الإيراني، والدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، والحجج القانونية الدولية، كلّها أدوات لتغطية استراتيجية هي في جوهرها حرب نفوذ وسيطرة وإخضاع واستعباد جديد.
الهدف الحقيقي هو القضاء على كلّ ما يتعارض مع خطّة إسرائيل للسيطرة على الشرق الأوسط، ضمن ما يُسمّى “إسرائيل الكبرى”
عدم إيقاف هذه الحرب فوراً (وعلى العرب بالدرجة الأولى وقفها)، يعني استكمال الأسس التي تستند إليها السيادة الإسرائيلية على المنطقة. إنها حرب تفتح الباب لتعميد هذه السيادة، وهو ما يعطي لإسرائيل فرصة كتابة تاريخ جديد لهذه المنطقة التي تشكّلها كما تريد وكيفما تريد.
وإن كان لا بدّ من التكرار، والقول إنّه لا يمكن الدفاع عن النظام الإيراني وعن تدخّلاته وسياساته في الدول العربية، فإنّه لا بدّ أيضاً من السؤال: كيف يمكن للعرب أن يصمتوا عن هذه الحرب، أو يشاركوا فيها، بشكلٍ ما، أو أن يسهّلوها؟
إن كانت الحرب على العراق قد فتحت باباً لم يُغلق بعد، ولا تزال المنطقة تعيش ارتداداتها السياسية والمذهبية والأمنية، فليس ذلك لأنّ من أشعلها لم يُحسن الحساب، بل لأنّ الحروب بطبيعتها تنفلت من نيّات صانعيها، وتخضع لمنطق القوة العارية وتشابكات النفوذ التي لا يمكن ضبطها أو التنبّؤ بمآلاتها. فماذا يمكن، في ضوء ذلك كلّه، أن تحمله حربٌ على إيران؟ أيُّ خرائطَ جديدةٍ ستُرسم، وأيُّ فوضى ستُطلق، وأيُّ أثمان إضافية ستُدفع من شعوب المنطقة التي لم تلتقط أنفاسها بعد؟
ماذا بعد الحرب على إيران؟… على أيّ حال، الجواب ليس عند العرب، بل هو ما تقوله إسرائيل وحدها.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى