
إن إعادة دراسة تركيب الجغرافيا السياسية السورية في زمن الانتداب، من الدويلات إلى الدولة بين عامي (1920–1936)، يُعدّ أمرًا غاية في الأهمية في زماننا الحالي، حيث شكّلت السنوات الممتدة بين 1920 و1936 المرحلة التأسيسية الأكثر حساسية في تاريخ الكيان السوري الحديث. إذ جرى خلالها تفكيك المجال الجغرافي العثماني السابق وإعادة تركيبه ضمن منطق الانتداب الفرنسي. ولم يكن هذا المسار خطّيًا، بل اتسم بتجارب متعاقبة من التقسيم، ثم الدمج الجزئي، ثم إعادة التوحيد الأوسع. وتُبيّن دراسة هذه المرحلة أن وحدة سوريا لم تكن نتيجة لاندفاع عاطفي أو قرار فجائي، بل حصيلة تفاعل معقّد بين مبادرات فرنسية، وضغوط وطنية سورية، وتحولات في السياق الدولي.
بعد دخول القوات الفرنسية دمشق في تموز 1920، بدأ تطبيق سياسة إدارية تقوم على تفكيك المجال السوري إلى وحدات منفصلة: دولة دمشق، دولة حلب، دولة جبل الدروز، ودولة العلويين (اللاذقية). استند هذا التقسيم إلى رؤية فرنسية تعتبر أن إدارة مجتمع متنوع دينيًا ومناطقيًا تصبح أكثر قابلية للضبط حين يُجزّأ إلى كيانات أصغر ذات أنظمة خاصة. كما أتاح هذا النموذج للانتداب استخدام كل كيان كورقة سياسية تفاوضية في مواجهة الحركة الوطنية الناشئة في العاصمة.
أُنشئت دولة دمشق ودولة حلب بوصفهما كيانين مدينيين، في حين أُعطي جبل الدروز وإقليم الساحل العلوي صفة “الدول” أو “الأقاليم المستقلة ذاتيًا”، مع إدارة فرنسية مباشرة أو شبه مباشرة، ومجالس محلية محدودة الصلاحيات. وفي هذه المرحلة، تولّى حقي العظم رئاسة دولة دمشق، وتولّى كامل باشا القدسي رئاسة دولة حلب، في حين بقيت السلطة الفعلية في جبل الدروز والعلويين بيد حكّام فرنسيين يحملون صفة الحاكم أو المفوض.
لم تكن إعادة التوحيد نتاج قرار فرنسي منفرد، ولا ثمرة ضغط وطني صرف، بل نتيجة لتقاطع مصالح. فقد سعت الحركة الوطنية السورية إلى استعادة الجغرافيا السياسية بوصفها شرطًا للاستقلال الحقيقي، في حين رأت فرنسا في التوحيد وسيلة لإعادة شرعنة وجودها وتهدئة الساحة الداخلية، مع الاحتفاظ بضمانات استراتيجية عسكرية واقتصادية.
أظهرت التجربة التقسيمية، خلال عامين فقط، صعوبات عملية وإدارية، خصوصًا على مستوى المالية والجمارك والمواصلات. وفي حزيران 1922، أُعلن قيام “الاتحاد السوري”، الذي ضمّ دولتي دمشق وحلب وإقليم العلويين، مع الإبقاء على جبل الدروز خارج هذا الإطار. مثّل الاتحاد محاولة فرنسية لإعادة تنظيم السيطرة عبر دمج محدود يسمح بتقليل الكلفة الإدارية، مع الحفاظ على جوهر الهيمنة السياسية. أما استثناء جبل العرب من الاتحاد، فكان محاولة لتفكيك الروابط السياسية والاجتماعية بين زعامات الجبل والحركة الوطنية السورية القائمة. وقد أدرك الفرنسيون مبكرًا أن دمج الجبل في كيان اتحادي قد يفتح الباب أمام تحالف بنيوي بين النطاق الحيوي لدمشق، والمتضمّن تجمعًا سياسيًا قويًا مع العاصمة.
هذا التخوّف تحقّق عمليًا بعد سنوات قليلة، حين انطلقت الثورة السورية الكبرى عام 1925 من جبل الدروز، بقيادة سلطان الأطرش وعبد الرحمن الشهبندر، ثم امتدت إلى دمشق وحلب وحمص وحماة. وجاءت الثورة دليلًا تاريخيًا على أن استثناء الجبل لم يكن ناتجًا عن احترام الانتداب للخصوصية الثقافية، بقدر ما كان اعترافًا فرنسيًا بخطورته السياسية.
اتخذ الاتحاد هيكلًا فدراليًا من حيث الشكل، إذ بقيت السلطات الأساسية، خاصة الشؤون العسكرية والخارجية، بيد المفوض السامي الفرنسي. ورغم التسمية الاتحادية، لم يتحول هذا الكيان إلى دولة جامعة، بل بقي أداة إدارية انتقالية. ومع تصاعد الاضطرابات، خصوصًا في منتصف العشرينيات، جرى حل الاتحاد عام 1925، ودمج دولتي دمشق وحلب في كيان واحد حمل اسم “دولة سوريا”، في حين عاد إقليم العلويين إلى وضعه المنفصل.
شكّل اندلاع الثورة السورية عام 1925 نقطة تحوّل مفصلية، إذ أعادت تعريف العلاقة بين المركز والأطراف، وأظهرت قدرة الحركة الوطنية على تجاوز التقسيمات التي فرضها الانتداب. كما كشفت للسلطات الفرنسية حدود السياسة التقسيمية في إنتاج الاستقرار.
بعد إخماد الثورة عسكريًا، بدأت فرنسا بالبحث عن أدوات حكم أكثر مرونة، تقوم على تسويات سياسية ودستورية، بدلًا من الاعتماد الحصري على القوة. وفي هذا السياق، أُقرّ دستور 1930، وأُعيد فتح المجال أمام العمل النيابي، ما مهّد لمرحلة جديدة من التفاوض بين الحركة الوطنية السورية والانتداب.
مثّل عام 1936 ذروة هذا المسار. فعلى الصعيد الفرنسي، وصلت حكومة الجبهة الشعبية إلى السلطة، حاملة خطابًا أكثر انفتاحًا تجاه قضايا الاستعمار. وعلى الصعيد السوري، كانت الكتلة الوطنية قد راكمت حضورًا سياسيًا وشعبيًا سمح لها بالتفاوض من موقع قوة نسبية. وأفضت هذه الظروف إلى توقيع المعاهدة السورية–الفرنسية في أيلول 1936، التي نصّت على الاعتراف بسوريا دولة مستقلة ذات سيادة تدريجية، وعلى دمج إقليمي جبل الدروز والعلويين في الدولة السورية.
في هذه اللحظة، كان إقليم اللاذقية يُدار من قبل حاكم فرنسي، مع مجلس تمثيلي محلي، كما كان جبل الدروز تحت إدارة عسكرية–مدنية فرنسية، مع زعامات محلية أبرزها آل الأطرش. وصدرت قرارات الربط الإداري في كانون الأول 1936، لتُعاد هذه المناطق إلى السيادة السورية، وتكتمل للمرة الأولى خريطة سوريا ضمن حدود الانتداب.
لم تكن إعادة التوحيد نتاج قرار فرنسي منفرد، ولا ثمرة ضغط وطني صرف، بل نتيجة لتقاطع مصالح. فقد سعت الحركة الوطنية السورية إلى استعادة الجغرافيا السياسية بوصفها شرطًا للاستقلال الحقيقي، في حين رأت فرنسا في التوحيد وسيلة لإعادة شرعنة وجودها وتهدئة الساحة الداخلية، مع الاحتفاظ بضمانات استراتيجية عسكرية واقتصادية.
واجهت الطبقة السياسية السورية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى صعوبات بنيوية عميقة في التكيّف مع كيان دولتي جرى اقتطاع أقاليمه الحيوية على نحو متسارع.
ضمن هذه المعادلة، لعبت النخب السورية دور الوسيط بين المركز والأطراف، وأسهمت في إقناع زعامات محلية بجدوى الاندماج في دولة مركزية، رغم وجود تيارات مترددة، خصوصًا في الساحل العلوي، عبّرت عن مخاوف من عودة هيمنة المدن الكبرى. وتعكس هذه التباينات أن الوحدة كانت عملية تفاوضية معقّدة، وليست إجماعًا اجتماعيًا كاملًا.
إن إلغاء الدويلات الصغيرة وإعادة توحيد سوريا بين 1920 و1936 يكشفان عن مسار تاريخي قائم على التجربة والخطأ، وعلى إعادة ضبط العلاقة بين الجغرافيا والسلطة. فلم تولد الوحدة السورية دفعة واحدة، بل تبلورت عبر مراحل من التقسيم والدمج، تحت ضغط الوقائع السياسية والاقتصادية والدولية. ويتيح فهم هذه اللحظة التأسيسية قراءة أعمق لإشكاليات الدولة السورية لاحقًا، خاصة ما يتعلق بعلاقة المركز بالأطراف، وبحدود السيادة في ظل تدخلات خارجية مستمرة.
واجهت الطبقة السياسية السورية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى صعوبات بنيوية عميقة في التكيّف مع كيان دولتي جرى اقتطاع أقاليمه الحيوية على نحو متسارع. فقد أُخرج لواء إسكندرونة عن المجال السوري، وهو الإقليم الذي مثّل تاريخيًا المنفذ البحري الطبيعي لمدينة حلب، كما فُصلت أقاليم طرابلس وجبل لبنان والبقاع، ما أدى إلى اختلال التوازن الاقتصادي والجغرافي للدولة الناشئة. وفي هذا السياق، اتجهت سلطات الانتداب الفرنسي إلى محاولة تفكيك ما تبقّى من المجال السوري عبر إنشاء كيانات سياسية منفصلة، تمثلت في دولة العلويين، ودولة حلب، ودولة دمشق، ودولة جبل الدروز. غير أن التجربة العملية سرعان ما أظهرت محدودية قابلية هذه الكيانات للحياة المستقلة، إذ افتقرت إلى مقومات الاستدامة الاقتصادية، وإلى بنية مالية ذاتية، واعتمد وجودها الفعلي على الرعاية السياسية والإدارية الدولية. ومع غياب دعم مالي خارجي ثابت، وتعذّر تحويل هذه الكيانات إلى دول قابلة للاكتفاء الذاتي، برزت هشاشتها البنيوية، ما جعل استمرارها مشروطًا بوجود الانتداب ذاته، لا بقدرتها على إنتاج شرعية أو توازن داخلي مستقل.
المصدر: تلفزيون سوريا






