
في مشهد يعكس تصاعد التوتر العسكري في مدينة حلب، أعيد صباح الخميس افتتاح ممرين إنسانيين لتأمين خروج المدنيين من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية نحو المناطق الآمنة، حيث حدد الجيش السوري مهلة زمنية قصيرة لخروج الأهالي عبر الممر الأول قرب جسر العوارض، والممر الثاني عبر شارع الزهور الملاصق لحي السريان، ومع حلول الساعة الواحدة ظهراً، أعلن الجيش حظر التجوال مجدداً، قبل أن يبدأ بعد نحو ساعة موجة قصف عنيف استهدفت مواقع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وذلك بعد نشر صور توضح بدقة الأهداف العسكرية المراد ضربها، في خطوة تهدف إلى تحذير المدنيين المتبقين داخل الأحياء الخاضعة لسيطرة “قسد” من الاقتراب منها تجنباً للمخاطر.
إضعاف “قسد”
التحركات الأخيرة تشير إلى أن الجيش السوري بدأ فعلياً بتنفيذ خطة عسكرية ممنهجة لإضعاف قدرات “قسد”، عبر ضرب دفاعاتها ومرابض المدفعية التابعة لها، واستهداف مستودعات الأسلحة والذخائر، إضافة إلى مقار القيادة المتقدمة وغرف العمليات، كما يسعى الجيش وفق مصادر عسكرية متابعة إلى تضييق الخناق على قوات “قسد” وحشرها في نطاقات محدودة، متبعاً سياسة “القضم التدريجي” لمناطق سيطرتها، خصوصاً الهوامش المحيطة بالحيين، والكتل السكنية غير المأهولة التي حولتها “قسد” خلال السنوات الماضية إلى ثكنات عسكرية ومعسكرات تدريب وسجون ميدانية.
تؤكد المصادر لموقع تلفزيون سوريا أن هذه التطورات لا تعني بالضرورة انزلاق الجيش السوري إلى معركة شاملة ومفتوحة مع “قسد” أو التوغل العميق داخل مناطق سيطرتها، بل تهدف أساساً إلى تضييق الخناق عليها قدر المستطاع، ودفعها نحو الاستسلام والخروج من مدينة حلب بأقل كلفة ممكنة. وتوضح المصادر أن خطة الجيش ترتكز على جملة من الأولويات، أبرزها تحييد المدنيين وتجنب وقوع خسائر بشرية بينهم، إلى جانب الحرص على الحفاظ على البنية التحتية والعمرانية في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية والمناطق المحيطة بهما، كما تسعى الخطة إلى شل القدرات النارية لـ “قسد” عبر استهداف مرابض المدفعية ومصادر إطلاق النار، وذلك بهدف درء المخاطر المحتملة عن الأحياء المجاورة وضمان عدم امتداد التوتر العسكري إلى مناطق أوسع داخل المدينة.
“قضم” هوامش الحركة
تقدَم خريطة سيطرة “قسد” في مدينة حلب عادة على أنها محصورة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، غير أن الواقع الميداني يكشف عن انتشار أوسع وأكثر تعقيداً، فإلى جانب هذين الحيين، تمتد سيطرة “قسد” لتشمل أجزاء كبيرة من حي بني زيد، إضافة إلى السكن الشبابي الواقع على أطراف الشيخ مقصود من الجهة الشمالية الغربية للمدينة، ومن هناك، تمتد خطوط نفوذها شمالاً وصولاً إلى المنطقة الصناعية في الشقيف، حيث حولت بعض المباني إلى ثكنات عسكرية وسجون، وكان أبرزها سجن الشقيف الذي شهد قبل يومين فرار أعداد كبيرة من السجناء مع بداية التصعيد الأخير، كما تشرف “قسد” من مواقعها على أطراف الشيخ مقصود على المحلق الشمالي الرابط بين دوار الليرمون ودوار الجندول، فضلاً عن مساحات واسعة كانت تتبع سابقاً للمؤسسة العامة للحبوب ومؤسسة الأقطان، وهو ما منحها القدرة على تجميع أنشطتها العسكرية في مناطق مفتوحة بعيدة نسبياً عن الكثافة السكانية.
توسعت خريطة السيطرة بشكل ملحوظ مع سقوط النظام المخلوع أواخر عام 2024، إذ تمددت “قسد” من مواقعها التقليدية في الشيخ مقصود والأشرفية لتفرض نفوذها على أحياء الهلك وبستان الباشا وصولاً إلى مساكن هنانو والصاخور وعين التل وحتى مطار حلب الدولي، حينها كانت فصائل “ردع العدوان” منشغلة بالعمليات العسكرية في حماة ثم حمص، متجهة نحو دمشق، ما أتاح لـ”قسد” فرصة التمدد السريع، ومع الانهيار الكامل للنظام المخلوع، تراجعت “قسد” عن قسم من الأحياء الشرقية التي دخلتها، لكنها حرصت على الاحتفاظ بنقاط استراتيجية تؤمّن لها الحماية والإشراف على مناطق محيطة مثل السريان وبستان الباشا والهلك، لتبقى هذه المواقع بمنزلة أوراق ضغط عسكرية وأمنية.
وتؤكد مصادر عسكرية ميدانية في حلب لموقع تلفزيون سوريا أن أحد أبرز أهداف الجيش في هذه المرحلة يتمثل في شل حركة “قسد” وحرمانها من الهوامش الواسعة التي تسيطر عليها في محيط الشيخ مقصود والأشرفية، وهي مواقع متقدمة اعتادت استخدامها في كل جولة تصعيد ضد الجيش السوري والأحياء المجاورة، حيث تهدد بنيرانها الخفيفة والمتوسطة عمق المناطق السكنية المكتظة، كما تشير هذه المصادر إلى أن السيطرة على هذه الهوامش ستضعف قدرة “قسد” على المناورة، وتحد من إمكانية استخدامها كمنصات لإطلاق الهجمات أو كمراكز لتخزين السلاح والذخيرة.
تبدو معركة “قضم الهوامش” في حلب، أو ما يوصف بالمعركة المحدودة التي يخوضها الجيش السوري، أبعد من مجرد مواجهة ميدانية تقليدية، فالجيش يسعى من خلالها إلى تقليص مساحة الحركة لدى “قسد”، وتجنب الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة قد تثقل كاهله بالخسائر البشرية، معتمداً على استراتيجية الضربات المركزة التي تحقق هدف الإضعاف وتؤدي في الوقت ذاته دور الضغط المستمر، في المقابل، تراهن “قسد” على جر الجيش إلى معاقلها داخل الأحياء التي حولتها إلى ثكنة عسكرية كبيرة، متمسكة بكامل مناطق سيطرتها، ومصممة على إطالة عمر الاشتباكات والمناورات في محيط مناطق نفوذها.
المصدر: تلفزيون سوريا






