
أصدر مجلس الأمن، قبل أربعة أشهر، قرار وقف إطلاق النار في غزّة برعاية الولايات المتحدة، إلا أن القتل لم يتوقف. فمنذ بدء الهدنة المعلَنة في أكتوبر/ تشرين الأول، قُتل ما لا يقل عن 586 فلسطينياً وأُصيب أكثر من ألف. وبهذا يبدو “السلام” أشبه ما يكون بالحرب التي سبقته، حيث لا يزال المدنيون ضحايا العنف المفرط الإسرائيلي، وتتفاقم الكارثة الإنسانية يوماً بعد يوم.
وإذا كان لاجتماع مجلس السلام الخميس الماضي في واشنطن أن يكون أكثر من مجرّد بادرة رمزية، فعلى الأعضاء العمل على الانتقال من هدنة صورية إلى وقف حقيقي للأعمال العدائية. ومن بين السبل لإيجاد حل حقيقي لوقف إطلاق النار علينا النظر إلى مجمل اتفاقيات وقف إطلاق النار السابقة التي أثبتت نجاحها.
المتعارف عليه، والذي ينتج من دراسات الحروب، يتحقّق قرار وقف إطلاق النار الناجح عندما لا يُكتفى بوقف مؤقت لإطلاق النار، بل بأن يشكل القرار بداية لاتفاق يتطلب ركائز محدّدة للاستمرار. وتتشارك أنجح اتفاقيات وقف إطلاق النار في عنصرين أساسيين: مراقبة محايدة وفعّالة مع التزامات واضحة ومتبادلة، ووجود عملية سياسية موازية تُعطي الأمل للناس من خلال أفق سياسي واضح، يتعامل مع أصول المشكلة التي أدّت إلى العنف والحرب والمقاومة. فعند غياب هذه العناصر، كما هو الحال اليوم، يملي الطرف الأقوى حتماً شروطه على أرض الواقع، وينهار الاتفاق على يد محتلّ قوي لا يرغب حقاً في وقف العنف.
يتطلب النجاح الحقيقي رفع الحصار بالكامل ودخول المساعدات من دون شروط، كما ينص عليه القانون الدولي الإنساني
يُعدّ غياب الرقابة في غزّة ربما العامل الأكبر وراء هذا الفشل، فقد منعت إسرائيل الصحافيين الأجانب والمراقبين الدوليين من دخول القطاع. ولا تزال قوة الاستقرار الدولية، التي نصّت عليها خطة الرئيس الأميركي ترامب، ذات النقاط العشرين، مجرّد وهم. فمن دون وجود قوات برّية من جهات محايدة (كالمراقبين الذين حققوا الاستقرار في سيناء بعد عام 1979 أو في البلقان في التسعينيات)، يصبح وقف إطلاق النار مجرّد حبر على ورق. الغريب أن إسرائيل، وهي الدولة المحتلة والمسؤولة عن الدمار والقتل، استخدمت حق النقض (الفيتو) ضد مشاركة القوات التركية والقطرية، مصرّةً بدلاً من ذلك على أن تحقق قوة ما عجزت عنه قوات إسرائيل العسكرية بنزع سلاح حركة حماس بشكل كامل وفوري.
من البديهي لإنجاح وقف إطلاق النار هذا رفض الولايات المتحدة استخدام إسرائيل حق النقض هذا ضد جنسيات المراقبين، ونشر قوة متعدّدة الجنسيات ذات تفويض واضح للتحقق من الانتهاكات، ورفع تقاريرها مباشرةً إلى مجلس الأمن ومجلس السلام.
إلى جانب المراقبة، يتطلب وقف إطلاق النار وجود بديل مدني فعّال لفوضى الحرب. منذ أكثر من شهر، ينتظر 14 رجلاً فلسطينياً وامرأة واحدة في مصر إذناً إسرائيلياً لدخول غزّة. تتألف هذه اللجنة الوطنية لإدارة غزّة من خبراء تقنيين من غير المنتمين إلى “حماس”، اختارهم الفريق الأميركي بالتنسيق مع جميع الأطراف. ومع ذلك، ما زالوا عالقين، بينما تعترض إسرائيل، بحسب التقارير، على أمور تافهة كشعار اللجنة.
بمنع تشكيل حكومة مدنية معتمدة، يضمن الوضع الراهن بقاء “حماس” القوة الحاكمة الوحيدة في غزّة، ما يبرّر بدوره استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية. إذاً، نحن بحاجة إلى قرار حاسم: يسمح بدخول اللجنة برئاسة علي شعث غزّة فوراً، بدعم كامل من المجتمع الدولي، كي تبدأ بفرض الأمن والغذاء وإدارة إعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية. فقد رفضت إسرائيل السماح بإقامة منازل جاهزة لمن يعيشون في الخيام، وقيدت دخول المعدّات الثقيلة اللازمة لانتشال آلاف الجثث التي لا تزال عالقة تحت الأنقاض. وقف إطلاق النار الذي يضمن إطلاق سراح الإسرائيليين، ولكنه يترك الشعب الفلسطيني يعاني من البرد والجوع، وهذا ليس خطة سلام. يتطلب النجاح الحقيقي رفع الحصار بالكامل ودخول المساعدات من دون شروط، كما ينص عليه القانون الدولي الإنساني.
لا يصمد وقف إطلاق النار في غزّة إلا إذا ارتبط بأفق سياسي موثوق
علاوة على ذلك، لا يصمد وقف إطلاق النار إلا إذا ارتبط بأفق سياسي موثوق. لم تكن الهدن الناجحة السابقة غاية في حد ذاتها، بل كانت المرحلة الأولى من تسوية سياسية أوسع. ولا يمكن أن يبقى وعد البند الـ19 الشامل “تقرير المصير الفلسطيني” مجرّد هامش في خطة النقاط العشرين. يجب معالجة التدهور الإنساني التدريجي الذي يقوّض الهدنة.
أخيراً، بينما انصرف تركيز واشنطن نحو إيران، يشير الواقع إلى أن مع التوترات الحادّة في الشرق الأوسط لا يمكن تهدئة الوضع ما دام قطاع غزّة يعاني من ويلات الحرب. على مجلسي الأمن والسلام إعادة إرساء مسار موثوق نحو إقامة دولة فلسطينية، كما أقرّته الأمم المتحدة، ومنح الشعب الفلسطيني دافعاً للاستثمار في الهدوء. قمة الخميس فرصة لإثبات أن إطار السلام الحالي خريطة طريق، وليس نهاية المطاف.
الخبراء الفلسطينيون التكنوقراط الخمسة عشر في مصر على أتم الاستعداد للدخول والبدء بالإصلاح والتنظيم وإعادة البناء. وقد جرى التعهد بتقديم أموال إعادة الإعمار. كل ما ينقصنا هو الإرادة السياسية لفرض الشروط الأساسية للهدنة. يجب أن نتعلم من الماضي: السلام لا يحفظ بالصمت، بل بالوجود الفعّال للمراقبين، وتمكين القادة المدنيين، والوعد بمستقبلٍ خالٍ من الحرب والاحتلال والحصار والتهجير.
المصدر: العربي الجديد





