هل إدماج قسد ممكن واقعيا أم هو أضغاث أحلام؟

محمد خالد الرهاوي

تقف الدولة السورية اليوم أمام استحقاقات تاريخية كبرى تتطلب حسم الملفات العالقة التي خلفها صراع مرير دام لسنوات، ويبرز هنا سؤال بريء: هل يمكن فعلاً إدماج ميليشيات قسد في الدولة السورية وإدماج قواتها في الجيش السوري الجديد عبر المفاوضات؟
للوهلة الأولى، قد يبدو الأمر عملية تقنية يسيرة تتمثل في تسليم المؤسسات المدنية وانضمام فرق عسكرية إلى مؤسسة الجيش الرسمية ما دام الجميع يتمتع بالعقلية العسكرية والجاهزية القتالية إلا أن البحث المعمق فيما وراء السطح، وتحليل المعطيات الميدانية والفكرية، يجعل من الصعوبة بمكان تحقيق الاندماج الفعلي، وذلك لجملة من الأسباب الجوهرية:
أولها: الهوية الإسلامية مقابل الأيديولوجية الأوجلانية
إن أولى العقبات وأكثرها تعقيداً هي الاختلاف الجذري في العقيدة العسكرية؛ فالجيش العربي السوري الجديد يستند في أساسه إلى عقيدة إسلامية ووطنية، ويضع نصب عينيه حماية الدولة السورية بحدودها الخارجية ووحدتها الداخلية أولوية قصوى لا تقبل المساومة؛ لأنه بكل بساطة من الشعب وله وحامٍ لثورته منذ انطلاقها منذ عام 2011م وحريته وقيمه وهويته. وفي المقابل، تعتنق قسد فكر أوجلان وتتبنى أدبيات حزب العمال الكردستاني، وهي أيديولوجيا عابرة للحدود وتصادمية مع مفهوم الدولة الوطنية المستقلة. فنحن هنا أمام مواجهة فكرية بين جيش يحمل فكر الدولة وعقليتها، ومنظمة تحمل فكر التنظيمات الإرهابية، وهو ما يجعل صهر هذين الطرفين في مؤسسة واحدة تحديّا يهدد تماسك المؤسسة العسكرية نفسها.
تعمل قسد بعقلية العصابات، فقد كمَّمت الأفواه وصادرت الحريات، ولم تحتمل أدنى صوت معارض لها وصلت بها البلطجة الأمنية إلى حد قتل كثيرين واعتقالهم لمجرد تعبيرهم عن الفرح والاحتفال بـعيد التحرير الأول..
ثانيها: الوحدة الوطنية مقابل الكانتونات العرقية والطائفية
على الصعيد السياسي والجغرافي، يسعى الجيش السوري بكل إمكاناته للحفاظ على سوريا موحدة أرضا وشعبا، والمساهمة في العمل على بناء دولة حديثة قوية مركزية تضمن حقوق الجميع تحت سقف القانون. أما مشروع قسد فيسير في اتجاه معاكس تماما؛ فهي تسعى إلى تقسيم الدولة الموحدة إلى كانتونات على أسس طائفية وعرقية تحت مسمى الإدارة الذاتية، كما تسعى جاهدة لإثارة الفتن الطائفية والعرقية وزعزعة الاستقرار والسلم الأهلي، مستعينة في ذلك بعصابات وشخصيات مثيرة للفتنة مثل غزال غزال وعصابات حكمت الهجري، في حين يبذل الجيش السوري قصارى جهده لإخماد هذه الفتن وحماية النسيج المجتمعي من التمزق.
ثالثها: عصرنة المؤسسات مقابل بدائية الإدارة المشتركة
تحدٍّ آخر يتعلق بشكل الإدارة وبناء هيكلية الدولة، فهناك تباين فكري وإداري شاسع؛ فالدولة السورية تطمح وتعمل على بناء مؤسسات وطنية حديثة تسير وفق أحدث الأنظمة العالمية والمعايير الإدارية المعاصرة التي تضمن الكفاءة والسرعة في الإنجاز. في المقابل، تصر قسد على فرض نموذج إداري بدائي هجين سمته الإدارة المشتركة لم يسبق له مثيل حتى عند أهل الكهوف، ولا يصلح لأنه يعطّل العمل المؤسسي ويشتت القرارات، فكيف يُراد له أن يطبق في دول معاصرة ونظم حديثة؟ وإصرار قسد على هذه الهياكل البدائية يعكس ضيقا في الرؤية والإدارة يتصادم مع منطق الدولة السورية التي تريد الارتقاء بمؤسساتها إلى مستويات المنافسة العالمية.
رابعها: فضاء الحرية مقابل قمع الاحتفال بالتحرير
يبرز التباين الصارخ في ملف الحريات العامة وحرية التعبير؛ فالدولة السورية اليوم تكرس الحريات العامة وحرية التعبير ومبدأ قبول الرأي والرأي الآخر، ويتجلى ذلك في وسائل الإعلام الرسمية وقناة الإخبارية السورية فهي مفتوحة لجميع الأصوات بما فيها المعارضة للرئيس أحمد الشرع وللحكومة وتنتقدهما علنا. في المقابل، تعمل قسد بعقلية العصابات، فقد كمَّمت الأفواه وصادرت الحريات، ولم تحتمل أدنى صوت معارض لها وصلت بها البلطجة الأمنية إلى حد قتل كثيرين واعتقالهم لمجرد تعبيرهم عن الفرح والاحتفال بـعيد التحرير الأول أو لرفع العلم السوري أو للإعجاب بتغريدة أو منشور، وكل ذلك يعكس رعب قسد من أي مناخ للحرية أو الديمقراطية أو أي مظاهر وطنية تجمع السوريين، ويؤكد أنها لا تؤمن إلا بصوت السلاح والقمع، على نحو يجعل من المستحيل اندماج عقلية تؤمن بحرية المواطن مع عقلية تمعن في إذلاله وقمعه جسديا وفكريا.
خامسها: العدالة الانتقالية مقابل إيواء المجرمين وحمايتهم وضمهم
من النقاط الساخنة التي تمنع الاندماج هو ملف العدالة الانتقالية؛ فالدولة السورية الجديدة، في سعيها لتضميد جراح الماضي، شكلت هيئة العدالة الانتقالية وتصر على محاسبة المجرمين من فلول النظام الساقط الذين أوغلوا في دماء السوريين استجابة لمطالب الشعب المنكوب الذي لم تجف دماء أبنائه بعدُ، لكن المفارقة تكمن في أن قسد تحولت إلى مأوى لهؤلاء؛ فهي تؤويهم وتدعمهم، وضمت كثيراً منهم إلى صفوفها العسكرية والأمنية، وهذا ما يجعل من فكرة الاندماج طعنة في خاصرة العدالة التي ينشدها الشعب السوري، إذ لا يمكن لدولة تسعى لتحقيق الحق والعدل أن تندمج معها قوة تؤوي المجرمين وتحميهم.
تتبع قسد سياسة المماطلة تحت حجج واهية، فهي تطلق شعارات الديمقراطية، وتعمل عكسها تماما؛ وتدعي الرغبة في السلام.
سادسها: إعادة الإعمار مقابل نهب الثروات الوطنية
تسعى الدولة السورية جاهدة لاستعادة ثروات البلاد من نفط وغاز واستثمارها وتوظيفها في إعادة الإعمار وبناء الدولة التي دمرتها الحرب ليكون خيرُ هذه الثروات لجميع السوريين بمختلف انتماءاتهم في جميع المحافظات. أما قسد فتصر على الاستمرار في نهب هذه الثروات وسرقتها وتخصيص عوائدها لنفسها ولعصابات قنديل ولمشاريعها الضيقة من دون غيرها من أبناء الوطن، وهذا يتناقض جذريا مع عقلية الدولة الذي تعدُّ حماية مقدرات الشعب واجبا مقدسا لا غنائم شخصية أو فصائلية.
سابعها: الطوعية والوحدة مقابل التجنيد الإجباري والامتيازات
ألغت الدولة السورية قانون التجنيد الإجباري وفتحت باب الانتساب للمؤسسات العسكرية والأمنية طواعية. وفي المقابل، لا تزال قسد تمارس التجنيد الإجباري للشباب ذكورا وإناثا، ووصل بها الأمر إلى تجنيد الأطفال في انتهاك صارخ للمواثيق الدولية. والدولة السورية تريد دولة واحدة وجيشا واحدا يسوده مبدأ المواطنة المتساوية، في حين تريد قسد انتزاع امتيازات على أسس عرقية، وتسعى لإنشاء دولة داخل الدولة بقوة السلاح تحت غطاء شكلي للدولة المركزية، وهو ما ينسف مفهوم الدولة والجيش الوطني الذي يجب أن يكون من الشعب وللشعب بامتياز.
ثامنها: الإرادة الوطنية مقابل الارتهان للخارج
تبرز المعضلة الكبرى في الولاء والارتهان؛ ففي حين تمثل الحكومة السورية وجيشها الوطني الإرادة الوطنية الخالصة، وُجدت قسد وطوِّرت لتكون أداة بيد القوى الخارجية؛ فقد كانت أداة بيد الولايات المتحدة لسنوات طويلة وما زالت، وتشير التقارير بل تصرح قسد بارتهانها المتزايد للأجندات الإسرائيلية في المنطقة، ومن المؤكد أن إدماج قوة عسكرية تدار من غرف عمليات خارجية معادية في جيش وطني سيادي هو بمنزلة انتحار أمني وعسكري، إذ كيف يمكن الوثوق بجهة تضع مصالح القوى الإقليمية والدولية فوق مصلحة الوطن؟
تاسعها: السلام مقابل المماطلة والحروب المفتعلة
تسعى الدولة السورية لتطبيق اتفاق العاشر من مارس 2025 للبدء بعملية إعادة البناء وتحقيق الاستقرار والسلام وجلب الاستثمارات الخارجية، وهي تضع البرامج والخطط وتعمل على تحقيقها فعليا. في المقابل، تتبع قسد سياسة المماطلة تحت حجج واهية، فهي تطلق شعارات الديمقراطية، وتعمل عكسها تماما؛ وتدعي الرغبة في السلام، وفي الواقع تفضل حالة الحرب لأنها تسوغ وجودها وادعاءاتها بالمظلومية لذلك ما فتئت تقوم باستفزازات عسكرية باستمرار لزعزعة أي استقرار وجرّ الحكومة للحرب.
عاشرها: دولة المواطنة مقابل تنظيمات إرهابية عرقية
الدولة تسعى لإقامة نظام ديمقراطي حقيقي يحفظ كرامة المواطن وينصف المظلومين ويعامل أبناءه معاملة واحدة تحت سقف القانون، في حين تصر قسد على الاستمرار في نهج التنظيمات الإرهابية والبلطجة والتبعية والخضوع للعناصر التركية والإيرانية من عصابات قنديل وتمكينها وتهميش المكونات السورية ولا سيما العربية وقمعها وإذلالها مع الادّعاء بتمثيلها في إدارتها شكليا.
حادي عشر: معركة الهوية والمناهج التعليمية
الدولة السورية تريد بناء المدارس وتأليف مناهج تجمع السوريين وتوحدهم فكريا، للحفاظ على هوية الشعب السوري المسلم وتراثه العظيم. أما قسد فتحاول فرض مناهج تعليمية خليط من البوذية والأوجلانية والماركسية، لنزع الهوية الأصلية للشعب وفرض هوية هجينة غريبة عنه كل الغرابة. فأي إدماج سيكون؟
ومن هنا يمكن القول: إن الإدماج المدني والعسكري ليس قرارا إداريا فحسب، وإنما هو وحدة حال وعقيدة وهدف. وبالنظر إلى كل ما سبق، نجد أن الفجوة بين الدولة السورية وجيشها الوطني وبين قسد وميليشياتها هي فجوة بين بناء الدولة ومشروع التفتيت، وبين السيادة الوطنية والتبعية للخارج، ولا يمكن تحقيق الاندماج الفعلي إلا بتخلي قسد عن عقليتها الميليشياوية وتفكيك بنيتها الأيديولوجية وقطع تبعيتها الخارجية وارتباطها بحزب العمال الكرستاني وطرد العناصر الأجنبية وتسليم المجرمين من الفلول وإدارة المحافظات الشرقية وآبار النفط وحقول الغاز وغيرها، والعودة إلى حياض الوطن حالهم حال بقية السوريين، وأكاد أجزم أن ذلك لا يمكن أن ينجز بالمفاوضات، ومن ثَمَّ يصبح السؤال: هل إدماج قسد في الدولة السورية الجديدة ممكنٌ واقعيا أم هو أضغاث أحلام؟

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى