تداعيات انكشاف هشاشة بنية منظومة الأمن السورية

عبد الله تركماني

انضمام القيادة السورية المؤقتة إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب لم يستطع منع الهجوم الإرهابي في تدمر، الذي أودى بمقتل ثلاثة أميركيين يوم 13 كانون الأول/ديسمبر الماضي، في أول اختبار لمصداقية منظومة أمن السلطة المؤقتة، بما يشكل تحدياً خطيراً لقيادة المرحلة. حيث يطرح تساؤلات عديدة حول مدى قدرتها على الالتزام بأهداف محاربة الإرهاب، خاصة أنها تتكون من فصائل إسلامية متشددة، بما فيها عناصر أجنبية في مناصب قيادية، وقد كان منفذ الهجوم عنصراً في جهاز الأمن العام، مما كشف الخلل في بنية هذا الجهاز وهشاشة مصداقية الالتزام بمحاربة الإرهاب.
لقد كشفت العملية خلل توزيع الأدوار بين المؤسستين العسكرية والأمنية، حيث تتداخل الصلاحيات. مما يؤكد وجود عقبات بنيوية أمام الانضمام إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب، إذ ثمة فصائل ترى في هذا الانضمام خروج عن توجهات السلفية الجهادية، خاصة أنّ التجنيد في المؤسستين يغلب عليه ” أخوة المنهج “، مما يجعل من الصعوبة بمكان على التحالف الثقة بإمكانية تنفيذ عمليات مشتركة.
‏ومن تعبيرات هذه الإشكالية الغموض الذي اكتنف سردية الحادثة، إذ تبدلت رواية الناطق الرسمي لوزارة الداخلية بين يومين، وقد أشار إلى أنّ المنفذ ” قد يملك أفكاراً تكفيرية أو متطرفة، وكان هناك قرار سيصدر يوم الأحد، لكنّ الهجوم وقع يوم السبت الذي يعتبر يوم عطلة إدارية “، مما يشير إلى أنّ منفذ الهجوم كان عنصراً في وزارة الداخلية. مما يعكس انعدام الثقة داخل المؤسسة الأمنية وجعلها بيئة خصبة للإرهاب، مع وجود عناصر متطرفة مستعدة لمهاجمة القوات الأميركية، الذي قد يقوّض ثقة إدارة الرئيس ترامب بقيادة المرحلة الانتقالية، وبالتالي اعتبارها شريكاً مشكوكاً فيه، خاصة إزاء صعوبة قبول الرأي العام الأميركي وبعض أعضاء الكونغرس، مما قد يؤدي إلى تقليص التنسيق وتبادل المعلومات، وبالتالي إعادة تقييم قواعد الاشتباك، بما يحمل تداعيات سلبية على الجهاز الأمني الانتقالي في سوريا، خاصة ما يتعلق بحماية قوات سوريا الديمقراطية ” قسد ” من محاولة تركيا دفع القيادة المؤقتة لمحاربتها، بل اعتبارها طرفاً محمياً ضمن حسابات التحالف الدولي ضد الإرهاب. وقد ظهر هذا التوجه حين وُجهت ضربة جوية أميركية ضد ” داعش ” يوم 19 كانون الأول/ديسمبر، وترحيب ” قسد ” بالضربة وتأكيدها أنّ الإرهاب ما زال يشكل تهديداً لأمن واستقرار المنطقة، وأهمية استمرار العمليات المشتركة مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، والدعوة إلى شراكة دائمة للقضاء على قوى التطرف والإرهاب. إذ تسود داخل مراكز التفكير وصنّاع القرار رؤيتان: أولاهما، ترى أنّ دعم السلطة المؤقتة يخدم المصالح الأميركية، ويساهم في الحد من تمدد الفوضى والإرهاب. وثانيتهما، تنطلق من افتراض أنّ هذه السلطة غير مستقرة ولا يمكن الاعتماد عليها في محاربة الإرهاب، أي هشاشة المرحلة الانتقالية والمعوّقات الكثيرة أمام سوريا.
وبذلك يتزايد مأزق السلطة السورية المؤقتة، إذ توضع في موقع دقيق بين الحفاظ على إمكانية الحفاظ على دعم إدارة الرئيس الأميركي ترامب، والقدرة على تفعيل دورها ضد الإرهاب في ظل أطياف من فصائل تتبنى أفكاراً متطرفة. فبعد مقتل الأميركيين لم يعد التقييم وفق الخطابات والالتزامات النظرية، بل وفق الممارسة العملية، التي تقوم على معايير الفعالية والمصداقية للقوات السورية الشريكة.
وعليه، أعلنت الإدارة الأميركية فجر 20 كانون الأول/ديسمبر إطلاق عملية ” عين الصقر ” استهدفت 70 هدفاً ضد ” داعش “، بما ينطوي على إعادة صياغة المشهد السوري، حيث تمثل قوات سوريا الديمقراطية أحد الأعمدة الاستراتيجية الفعالة لمحاربة ” داعش “، ليس لأنها حاربت التنظيم الإرهابي سابقاً، بل لأنها تمتلك بنية أمنية أثبتت فعاليتها. بينما تحتاج السلطة المؤقتة إلى كسب ثقة التحالف الدولي، الذي مازال يشكك في عدم قدرتها على المشاركة المضمونة في العمليات العسكرية، خشية تواجد عناصر متطرفة في منظومتي الأمن والجيش.
ولكنّ مقتل الأميركيين الثلاثة في حادثة تدمر لم تمنع تأكيد الرئيس ترامب ثقته برئاسة أحمد الشرع، حيث بادر إلى تحميل مسؤولية الهجوم إلى تنظيم ” داعش “، بما ينطوي على ضغوط مبطنة ولا تعني حصانة دائمة، فإذا استمر نيل المتطرفين من الأميركيين وحلفائهم ستتعاظم هذه الضغوط على الشرع، لإثبات قدرته على الالتزام بمتطلبات الانضمام إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب. ويبدو أنّ الإدارة الأميركية تدير الملف السوري بمزيج من البراغماتية وإدارة المخاطر بما يخدم مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، من خلال ضمان المصالح الإسرائيلية وعدم عودة النفوذ الإيراني، وترسيخ توازن إقليمي جديد يكون فيه مكان لتركيا والسعودية، الضامنتين الإقليميتين لسلطة أحمد الشرع.
وهكذا، تبدو إدارة ترامب حريصة على ضمان استقرار محدود يسمح لها بالتأثير على مستقبل سوريا، وليس إحداث تغيّرات تؤدي إلى بناء سلطة جديدة تشاركية قائمة على العدالة والمواطنة المتساوية. وقد جاء حادث تدمر ليفرض أولويات جديدة بعد إلغاء قانون قيصر، تضمن قدرة السلطة على استقرار الوضع الأمني وإعادة ترتيب الوضع الداخلي، كي تكون مؤهلة للتعامل مع المعادلات الإقليمية والدولية، بما يفرض دوراً يتناسب مع الموقع الجيو- استراتيجي لسوريا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى