لبنان في قلب الحرب.. إسرائيل تغيّر الميدان ودمشق تبدد الهواجس

صهيب جوهر

يواجه لبنان اليوم واحدة من أخطر الحروب في تاريخه الحديث. فالمواجهة الجارية لا تبدو مجرد جولة عسكرية إضافية في سلسلة الصراعات التي عرفها البلد منذ عقود، بل تحمل ملامح تحوّل تاريخي قد يترك تأثيرات عميقة على موقع لبنان وكيانه وطبيعته السياسية والاجتماعية. وإذا كانت الحروب السابقة، بما فيها اجتياح عام 1982، قد تركت ندوباً كبيرة في الجغرافيا والسياسة اللبنانية، فإن الحرب الحالية تبدو مرشحة لإحداث تحولات أكثر عمقاً، خصوصاً أنها تأتي في سياق إقليمي ودولي شديد الاضطراب.
فالتصعيد الجاري لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة. الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والتوترات المتزايدة في أكثر من جبهة عالمية، تشير إلى أن النظام الدولي نفسه يمرّ بمرحلة إعادة تشكيل. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، غالباً ما تتحول الساحات الهشة إلى ميادين لتصفية الحسابات الكبرى، وهو ما يجعل لبنان عرضة لتداعيات تتجاوز بكثير حدوده الضيقة.
في هذا السياق، تبدو إسرائيل معنية بإعادة رسم موازين الشرق الأوسط بما يتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة للحرب. فخطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يتحدث منذ سنوات عن تغيير وجه المنطقة، يعكس رؤية سياسية ترى في هذه اللحظة فرصة لإعادة صياغة الترتيبات الإقليمية. ومع الدعم الأميركي السياسي والعسكري، يبدو أن تل أبيب تسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، مستفيدة من غياب أي ضغط دولي حقيقي قادر على كبح اندفاعها.
ولا يقتصر هذا التحول على البعد العسكري فحسب، بل يمتد إلى ما يمكن وصفه بمحاولة إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والديموغرافية في المنطقة. فالموجة اليمينية المتطرفة التي تسيطر على المشهد السياسي الإسرائيلي تدفع باتجاه مشاريع تتجاوز منطق التسويات التقليدية. وقد برزت خلال السنوات الأخيرة أفكار تتصل بتوسيع نطاق النفوذ الإسرائيلي أو فرض ترتيبات أمنية دائمة في المناطق المحيطة، في ظل تراجع واضح لدور المؤسسات الدولية وعجز مجلس الأمن عن فرض أي ضوابط حقيقية على مسار الحرب.
ولبنان يقف في قلب هذا المشهد المضطرب. فالحرب الدائرة على أراضيه لا تستهدف فقط البنية العسكرية لحزب الله، بل تترافق مع تدمير واسع للبنية التحتية والخدمات الأساسية، من الكهرباء إلى الاتصالات والمياه، وهذا النمط من العمليات العسكرية يشير إلى محاولة فرض واقع ميداني جديد يجعل مناطق واسعة من الجنوب غير قابلة للحياة لفترة طويلة، وهو ما يفتح الباب أمام تغييرات ديموغرافية محتملة نتيجة موجات النزوح الواسعة.
كما أن العمليات العسكرية الإسرائيلية تبدو مهيأة لفرض معادلة أمنية جديدة في الجنوب، قد تتجسد في إنشاء منطقة عازلة بعمق يصل إلى عشرة أو خمسة عشر كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية. وإذا ما تحقق هذا السيناريو، فإن ذلك لن يعني مجرد إجراء عسكري مؤقت، بل قد يتحول إلى واقع دائم يعيد رسم حدود النفوذ والسيطرة في جنوبي البلاد.
في المقابل، يجد لبنان نفسه في وضع شديد الهشاشة. فالدولة اللبنانية تعاني انقسامات سياسية عميقة وضعفاً مؤسسياً يحدّ من قدرتها على إدارة الأزمة. وعلى الرغم من إعلان الجيش اللبناني بسط السيطرة في قطاع جنوبي الليطاني في وقت سابق، فإن الواقع الميداني لا يزال أكثر تعقيداً. فوجود بنية عسكرية لحزب الله امتد لأكثر من ثلاثة عقود في المنطقة، إضافة إلى الطبيعة الجغرافية الوعرة، يجعل من الصعب الحديث عن خلو كامل للمنطقة من السلاح.
ومع اندلاع الحرب وتكثيف القصف الإسرائيلي، ازدادت صعوبة تحرك الجيش اللبناني في القطاع الحدودي. فالقصف واستهداف الطرقات والضغط الميداني الكبير حدّت من قدرة الوحدات العسكرية على تنفيذ مهامها بشكل كامل، الأمر الذي أتاح لحزب الله هامش حركة أكبر في بعض المناطق. ومع ذلك، بدا أن الحزب يعتمد بشكل أساسي على إطلاق الصواريخ من مناطق تقع شمال نهر الليطاني، في حين تتم عمليات إطلاق الصواريخ المضادة للدروع من مسافات أبعد نسبياً عن الحدود.
أما على المستوى السياسي، فقد اتخذت القيادة اللبنانية قراراً واضحاً بعدم دخول الجيش في مواجهة مباشرة مع القوات الإسرائيلية. هذا القرار يستند إلى اعتبارات عدة، أبرزها عدم تكافؤ القوة العسكرية بين الطرفين، إضافة إلى أن الحرب الدائرة لا تُعدّ حرب الدولة اللبنانية رسمياً. وبناءً على ذلك، يقتصر دور الجيش على حماية مواقعه الأساسية ومحاولة ضبط الوضع الأمني في المناطق الخاضعة لسيطرته.
وفي موازاة التصعيد العسكري على الجبهة الجنوبية، برز في الداخل اللبناني مناخ قلق مرتبط بما يجري على الحدود اللبنانية–السورية، خصوصاً مع انتشار الجيش السوري في عدد من النقاط الحدودية خلال الأسابيع الأخيرة. وقد رافق هذا الانتشار سيل من الروايات والتحليلات التي تحدثت عن احتمال انخراط سوريا في تطورات الميدان اللبناني
وفي موازاة التصعيد العسكري على الجبهة الجنوبية، برز في الداخل اللبناني مناخ قلق مرتبط بما يجري على الحدود اللبنانية–السورية، خصوصاً مع انتشار الجيش السوري في عدد من النقاط الحدودية خلال الأسابيع الأخيرة. وقد رافق هذا الانتشار سيل من الروايات والتحليلات التي تحدثت عن احتمال انخراط سوريا في تطورات الميدان اللبناني، أو عن استعداد دمشق للقيام بتحركات عسكرية داخل الأراضي اللبنانية، وهي روايات سرعان ما تحولت إلى مادة تعبئة طائفية في بعض الأوساط اللبنانية.
غير أن قراءة أكثر هدوءاً لهذه المسألة تشير إلى أن جزءاً كبيراً من هذا القلق اللبناني ليس نتاج الوقائع الميدانية بقدر ما هو نتيجة التهويل السياسي والإعلامي الذي مارسه حزب الله في الداخل. فالحزب، الذي يجد نفسه في مواجهة ضغوط غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب، حاول توسيع دائرة التوتر عبر استحضار سردية الخطر السوري، وتقديم التحركات العسكرية السورية على الحدود وكأنها تمهيد لسيناريو تدخل أو صدام جديد.
ويأتي ذلك في سياق محاولة إعادة تعبئة بيئته السياسية والاجتماعية عبر استحضار المخاوف التاريخية لدى بعض المكونات اللبنانية، واللعب مجدداً على الوتر المذهبي الذي طالما شكّل أحد أدوات الصراع في لبنان، وهو وتر إذا ما أُعيد إشعاله على نطاق واسع فقد يصعب إخماده سريعاً.
في المقابل، أظهرت دمشق تعاطياً أكثر هدوءاً مع هذه الأجواء. فالجانب السوري أكد مراراً أن الانتشار العسكري على الحدود مع لبنان يندرج ضمن إجراءات دفاعية تهدف أساساً إلى ضبط الحدود ومنع أي مجموعات مسلحة أو عناصر منفلتة من استغلال الفوضى الإقليمية للعبور بين البلدين. وأن هذه الإجراءات لا تستهدف لبنان ولا تحمل أي بعد هجومي، بل تهدف إلى حماية الاستقرار على جانبي الحدود في ظل الحرب الدائرة في المنطقة.
وكان لافتاً في هذا السياق الاتصال الذي أجراه الرئيس السوري أحمد الشرع برئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، في خطوة حملت رسائل تهدئة واضحة. فقد حرص الرئيس السوري، على طمأنة الجانب اللبناني إلى أن التحركات العسكرية السورية على الحدود تأتي في إطار حماية الأمن السوري أولاً، ومنع أي تسلل أو تفلت أمني قد يهدد الاستقرار في البلدين. وخاصة أن دمشق تدرك حساسية الوضع اللبناني في ظل الحرب الحالية، وأنها ليست معنية بأي تصعيد إضافي يمكن أن يفتح جبهة جديدة في المنطقة.
هذا الاتصال عكس أيضاً إدراكاً سورياً لأهمية الحفاظ على الاستقرار الحدودي في هذه المرحلة الحساسة. فدمشق، التي لا تزال منشغلة بإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية بعد سنوات طويلة من الحرب، تبدو حريصة على تجنب الانزلاق إلى أي مواجهة جديدة قد تعيد فتح ساحات الصراع في المنطقة. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الانتشار العسكري السوري على الحدود بوصفه جزءاً من استراتيجية وقائية تهدف إلى منع انتقال الفوضى إلى الداخل السوري، وليس مقدمة لتحرك عسكري باتجاه لبنان.
في المحصلة، يجد لبنان نفسه أمام لحظة مفصلية قد تحدد مسار مستقبله لسنوات طويلة. فالحرب الجارية ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل جزء من تحولات أوسع تشهدها المنطقة. وبين مشروع إسرائيلي يسعى إلى فرض وقائع جديدة، وواقع داخلي لبناني يعاني الانقسام والضعف، تبدو البلاد مهددة بفقدان مزيد من قدرتها على التحكم بمصيرها.
في مثل هذه اللحظات التاريخية، يصبح الخطر الأكبر ليس فقط في حجم القوة العسكرية المستخدمة، بل في غياب رؤية وطنية مشتركة قادرة على حماية ما تبقى من الدولة. فالتجارب السابقة في المنطقة تشير إلى أن الحروب الكبرى لا تعيد رسم الخرائط فحسب، بل تعيد أيضاً تعريف الدول ووظائفها وأدوارها في النظام الإقليمي. ولبنان، بكل تعقيداته الداخلية وهشاشته السياسية، يقف اليوم على حافة هذا التحول.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى