ملاحظات انتقادية من العدوان الثلاثي على العرب

نزار السهلي

في الوقت الذي تسلك فيه جولة العدوان الأميركي–الإسرائيلي على إيران مسلكًا خطيرًا، وأدت إلى ردود فعل إيرانية على جوارها العربي، وكشفت عن هشاشة الأمن الجماعي، سواء بالنسبة للأنظمة العربية المستهدفة بصواريخ إيران، أو لتجدد العدوان الإسرائيلي بشكل واسع على لبنان وانتهاك الأمن العربي جواً وبحراً، يدخل العالم العربي مرحلة جديدة وخطيرة، وتمتاز بسمتين رئيسيتين:
الأولى، انتشار الاحتلال في الجو والبر والبحر، وقدرته على إحداث تهجير جماعي “ديموغرافي” عبر إنذار هاتفي أو منشور تحذيري لقرى ومدن وأحياء سكنية، مما يجعل ثقل آثار العدوان مشابهًا لتحطيم قطاع غزة، الذي قال عنه تسلئيل سموتريتش إن إسرائيل ستجعل من ضاحية بيروت الجنوبية “خان يونس ثانية”، بالإشارة إلى محوها عن الخريطة.
السمة الثانية، اتساع رقعة الرد الإيراني على العدوان، باستهداف مدن وعواصم عربية كانت تحاول تجنب اندلاع حرب على إيران.
هاتان السمتان أضافتا على السياسة العربية ومواقفها مجموعة معطيات جديدة وموضوعات جديدة، وتقاليد مواجهة متجددة، من بينها مسألة الأمن العربي المشترك وتحدياته القديمة والحديثة، بكل ما تحمله من مشكلات، فضلًا عن سلسلة موضوعات أخرى تحمل في طياتها معضلات متعددة، مثل علاقة السمة الأولى بالثانية، وعلاقة الأمن العربي بالحليف الأميركي والإقليمي، وانعكاسات العدوان الأميركي–الإسرائيلي على إيران، ورد إيران على العواصم العربية، وتأثير ذلك على القضية الفلسطينية أولاً، وعلى قضايا الأمن العربي المشترك.
إقامة الأسوار العالية أمام المخاطر الحقيقية للأمن العربي، ثم بعثرة المواقف من الاحتلال الإسرائيلي ومشروعه الاستعماري، دفع بالمواقف السياسية العربية والأمنية إلى تقديم نفسها منفردةً أمام جرائم الإبادة الجماعية والهجمة الاستعمارية الاستيطانية، وبلا برامج مشتركة.
التحليل الموضوعي لظروف العدوان الأميركي–الإسرائيلي على إيران يظهر اندفاع الولايات المتحدة خلف الرغبة الإسرائيلية لتدمير “الخطر الإيراني” المتمثل بالقوة الصاروخية والبرنامج النووي، وتجفيف منابع دعم الأذرع الإيرانية في المنطقة العربية. تلخيص المواجهة أو العدوان على طهران لا علاقة له بالدفاع عن الأمن العربي، والرد الإيراني عليه لا يعني الحرص على هذا الأمن والدفاع عنه. فإيران القوية أو الضعيفة، وقبلها باكستان الدولة النووية المسلمة، لم تضف للأمن والقضايا العربية شيئًا يذكر بالمواجهة الفعلية للمستعمر الصهيوني أو لقضايا التحرر العربي الأخرى.
الحقيقة التي خبرتها الشعوب العربية من عوامل القوة الإيرانية متجلية في سوريا ولبنان واليمن، وعوامل التساهل العربي مع مخاطر العدوان الإسرائيلي في غزة وبقية مدن فلسطين، حاضرة في جرائم الإبادة والعجز عن صدها، ولم تُؤخذ المطامع الصهيونية في السيطرة على الأوضاع الأمنية العربية في الاعتبار بشكل قوي. فكانت هذه الحقائق الهشة، التي تؤلم كل عربي، شاهدة على تجزئة وتفتت المواقف تجاه العدو الحقيقي للأمن العربي.
إقامة الأسوار العالية أمام المخاطر الحقيقية للأمن العربي، ثم بعثرة المواقف من الاحتلال الإسرائيلي ومشروعه الاستعماري، دفع بالمواقف السياسية العربية والأمنية إلى تقديم نفسها منفردةً أمام جرائم الإبادة الجماعية والهجمة الاستعمارية الاستيطانية، وبلا برامج مشتركة. ضعف هذا الجانب ينعكس على ضعف المؤسسات الدولية، كالأمم المتحدة ومجلس الأمن والقانون الدولي، الذي يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة، ومحبوس ضمن أسوار إمبريالية عالية تمنع تجاوزه.
مشاهدة تدمير أحياء من عاصمة عربية مثل بيروت، دون ردة فعل، سبقها تدمير شامل لغزة وإبادة جماعية فيها، وعدوان مستمر على مدن عربية وإعادة احتلال في الجنوب السوري واللبناني، جوبهت تلك المخاطر والعدوان بمعاهدات تطبيع مع الاحتلال، ومهادنة للعدوان، والتسلح بمعاهدات أمنية وعسكرية مع أميركا والغرب. كل ذلك لم يجعل الأمن العربي أفضل مما هو عليه الآن.
الوضع العربي في الحرب العدوانية الدائرة بين إسرائيل وأميركا من جهة، وإيران من جهة أخرى، أخذ تشكيلاً مختلفًا نسبيًا، في انكشاف الهدف الأميركي–الإسرائيلي من خلال تأمين المصلحة الإسرائيلية أولاً، وإحداث مزيد من الكسر في ثقل حلقات النظام السياسي العربي. ذريعة القضاء على القدرات الإيرانية أو الحد من تدخلاتها في الدول العربية، أنجزه الشعب السوري بإسقاط نظام الأسد، وكان بمقدور النظام السياسي العربي خلق علاقة ندية مع جارها الإيراني. هذا المعطى يسير وفق المراجعة الإيرانية لسياساتها في المنطقة العربية بعد نزيف سرديتها وخسارة موقعها في الشارع العربي، وانتزاع موقع القضية الفلسطينية الاستغلالي، ولم تعد طهران قطبًا يجذب الرحال إليها.
خلق التضامن والتساند ضد العدوان والتهديد، دون وجود رؤية موحدة ومشتركة لهذه المخاطر والأطماع، سيؤدي فعليًا ليس لقيام إيران باحتلال عواصم عربية والسيطرة عليها، بل لسيطرة صهيونية–أمريكية بإعادة تشكيل المنطقة وفق المصلحة الصهيونية.
موضوعات هذه المرحلة من العدوان الإسرائيلي–الأميركي على إيران، ورد إيران على العواصم العربية، بعيدًا عن التحريض السياسي والشماتة البائسة لبعض الأطراف في الأمن العربي، تفيد أن مركز الثقل ينصب اليوم في التفكير الجدي بالأمن العربي المشترك. فلا مظلة خارجية بمقدورها درء المخاطر إن لم تكن عربية مشتركة، لها منظور موحد يرصد المخاطر الحقيقية التي تحيط بأمنها، واقتصادها، وبنيتها السياسية والجغرافية المهددة اليوم بأطماع صهيونية صريحة.
خلق التضامن والتساند ضد العدوان والتهديد، دون وجود رؤية موحدة ومشتركة لهذه المخاطر والأطماع، سيؤدي فعليًا ليس لقيام إيران باحتلال عواصم عربية والسيطرة عليها، بل لسيطرة صهيونية–أميركية بإعادة تشكيل المنطقة وفق المصلحة الصهيونية. وقد بدأت إسرائيل في حساب مكاسبها من نتائج هذا العدوان، ونتنياهو وسموتريتش وهاكابي وغيرهم يكررون ذلك صباح مساء.
تجمّد فهم العدوان الإسرائيلي–الأميركي عند قوانين العدوان الإيراني على العواصم العربية فقط، وعند علقم العلاقة معها، لا يمنع إذابة الجليد عن بعض الحقائق والقوانين التي تحكم الصراع والمواجهة التي يجب أن يتصدى لها العرب من ثلاثية المخاطر: الصهيونية–الأميركية–الإيرانية، بتوجيه مركز الثقل للتحرر من الاعتماد على الغير نحو مرحلة الاعتماد على الذات، وتنوع مصادر القوة والأمن.
لهذا، فإن منهج تحليل العدوان الثلاثي على الأمن العربي يكمن في تأريخ مرحلة جديدة، ولا يعني ولادتها في هذه اللحظة، ولا يعني زوال سمات المرحلة السابقة تمامًا، إنما يجب فهم أن بذور مرحلة جديدة يجب أن تُولد خارج الرحم الصهيوني–الأميركي، وبعيدًا عن الحوزة التي سقطت غيبياتها وتعرت مع الأساطير التلمودية، والعودة إلى قراءة البوصلة الحقيقية للاحتلال الإسرائيلي، للمشروع الصهيوني، ولمخاطر تلبيسه ثوب المنقذ للذات العربية.
المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى