
في الأيام الماضية تحولت حلقة على شاشة “تلفزيون سوريا” ناقشت أداء السلطة إلى ساحة سجال واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، لم يكن الجدل بحد ذاته المشكلة، فالنقاش الحاد حول أداء السلطة جزء طبيعي من أي فضاء عام مفتوح. لكن ما تلا ذلك من حملات تحريض واتهامات شخصية وتهديدات صريحة ضد إعلاميين وصحفيين أعاد طرح السؤال: من يحمي حرية الصحافة في سوريا الجديدة؟
اللافت في هذه القضية أن النقاش لم يبق في إطار الردود السياسية أو الفكرية، بل انزلق سريعاً إلى خطاب كراهية وتحريض، وصل في بعض الحالات إلى تهديد مباشر بالقتل ضد إعلاميين يعملون في مؤسسة إعلامية سورية.
هذا النوع من الانزلاق ليس جديداً على فضاء وسائل التواصل الاجتماعي في سوريا، لكنه يصبح أكثر خطورة في بلد يخرج لتوه من عقود طويلة من الاستبداد، حيث لم تتشكل بعد قواعد مستقرة للنقاش العام، ولا تزال الحدود بين النقد السياسي والتحريض الشخصي هشة ومضطربة.
لكن في مثل هذه اللحظات تحديداً تظهر أهمية دور الدولة ومؤسساتها، وخاصة وزارة الإعلام.
المفارقة أن الوزارة نفسها كانت قبل أسابيع قليلة تحتفي بإطلاق مدونة سلوك إعلامية، باعتبارها خطوة لتنظيم العمل الصحفي وتعزيز المهنية. إلا أن الأزمة الأخيرة كشفت فجوة واضحة بين الخطاب النظري حول تنظيم الإعلام وبين الواقع الفعلي الذي يواجه فيه الصحفيون حملات تحريض وتهديد دون موقف واضح وحازم من الجهات الرسمية.
في تجارب الديمقراطية، لا تشرف الحكومات على كتابة مدونات السلوك الصحفي، بل تضع هذه المدونات المؤسسات الإعلامية نفسها أو الهيئات النقابية والمهنية المستقلة، لأن استقلال الصحافة يبدأ من استقلال قواعدها المهنية.
دور الدولة في المقابل مختلف تماماً: حماية المجال العام من التحريض والعنف، وضمان أن يتمكن الصحفيون من العمل دون خوف أو ترهيب.
في تجارب الديمقراطية، لا تشرف الحكومات على كتابة مدونات السلوك الصحفي، بل تضع هذه المدونات المؤسسات الإعلامية نفسها أو الهيئات النقابية والمهنية المستقلة، لأن استقلال الصحافة يبدأ من استقلال قواعدها المهنية.
المشكلة في الحالة السورية اليوم لا تتعلق فقط بتهديدات فردية على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بالبيئة التي تسمح بتصاعد هذا الخطاب دون حدود واضحة، فعندما يتحول العمل الصحفي إلى مادة للتحريض، وتصوير الصحفيين كأعداء أو أدوات لمؤامرات، فإن النتيجة الطبيعية هي فتح الباب أمام خطاب كراهية قد يتجاوز الفضاء الافتراضي إلى ما هو أخطر.
ولا يمكن تجاهل أن جزءاً من هذا المناخ يرتبط أيضاً بطبيعة البنية السياسية الجديدة نفسها، حيث لا تزال شبكات الثقة والعلاقات الشخصية وأشكال المحسوبية تلعب دوراً كبيراً في تشكيل دوائر القرار والنفوذ، وهذه الظاهرة ليست سورية خالصة، لكنها تصبح أكثر حساسية في بلد يحاول إعادة بناء مؤسساته بعد عقود من حكم قمع مركزي.
في مثل هذا السياق، تصبح الصحافة النقدية المستقلة ضرورة مضاعفة وحاجة ملحة لحماية البلد، وليست مشكلة يجب تبريرها أو الدفاع عنها.
نعم، الصحافة بطبيعتها تضخم السلبيات وتبحث في مناطق الخلل، فهذه الوظيفة الأساسية لها وليست انحرافاً عنها. وإذا كان الهدف المعلن لسوريا الجديدة هو بناء دولة مؤسسات، فإن أول اختبار حقيقي لذلك هو قدرة السلطة على تحمل النقد، لا محاولة تفسيره أو الشك في دوافعه.
في المقابل، تقع مسؤولية أيضاً على الإعلاميين أنفسهم وعلى المجتمع الأوسع في الحفاظ على مستوى نقاش عام لا يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات أو لإطلاق الاتهامات المجانية، فالديمقراطية لا تُبنى فقط بالقوانين، بل أيضاً بثقافة عامة تحترم الاختلاف.
لكن تبقى المسؤولية الأكبر على عاتق الدولة، وعلى رأسها وزارة الإعلام، ليس بوصفها جهة تنظم الصحافة، بل مسؤولة عن حماية بيئة العمل الإعلامي.
فبعد أكثر من ستين عاماً كانت فيها الوزارة نفسها إحدى أدوات السيطرة على الإعلام في سوريا، تبدو اليوم أمام السؤال الأهم: هل ستتحول إلى مؤسسة تحمي حرية التعبير، أم ستبقى أسيرة منطق السلطة الذي يرى في الصحافة المستقلة تهديداً لا ضرورة؟
في نهاية المطاف، دفع كثير من الصحفيين السوريين، منذ عام 2011، ثمناً باهظاً دفاعاً عن حق السوريين في الكلام وفي معرفة الحقيقة، ولهذا السبب تحديداً، لا يمكن التعامل مع حرية التعبير كامتياز يمنحه أحد، بل كحق أساسي كان غيابه طوال عقود أحد أبرز أسباب ما وصلت إليه البلاد وبيت المشكلات فيها.
فالصحافة الحرة والمستقلة ليست مشكلة في سوريا، بل ربما كانت، وما تزال، أحد مفاتيح حلها.
المصدر: تلفزيون سوريا



