عبد الله نظام وفهد درويش.. قرار حجز يكشف شبكة نفوذ إيراني في سوريا؟

طارق صبح

في خطوة وُصفت بأنها من أوسع قرارات الحجز الاحتياطي منذ سنوات، أصدرت وزارة المالية السورية قراراً بفرض الحجز الاحتياطي المشدد على أموال ومنشآت رجل الأعمال عبد الله نظام، إلى جانب شبكة واسعة من شركائه وأفراد عائلته، مع ورود اسم فهد درويش ضمن القرار بوصفه طرفاً ذا ارتباط تشغيلي مباشر بعدد من الشركات المشمولة بالحجز.
القرار، الذي استند إلى نتائج لجنة تحقيق خاصة، يتهم الشبكة المعنية بجرائم غسل أموال وكسب غير مشروع، بمبالغ مالية ضخمة تجاوزت 475 مليون دولار، ويطول شخصيات وكيانات وُصفت خلال السنوات الماضية بأنها من أبرز الأذرع الاقتصادية لإيران داخل سوريا، ولعبت أدواراً محورية في تسهيل تمدد النفوذ الإيراني في قطاعات استراتيجية.

نطاق واسع ومبالغ ضخمة
ونص القرار الصادر عن وزارة المالية على فرض الحجز الاحتياطي الشامل على جميع الأموال المنقولة وغير المنقولة، وحقوق الإدارة والعوائد، العائدة لعبد الله نظام وشبكة شركائه، اعتماداً على نتائج لجنة التحقيق المختصة.
وحددت الوزارة قيمة المخالفات المالية بـ476 مليون دولار، شملت الحجز على أموال عبد الله نظام، وابنته مريم، وجميع زوجاته، وأبنائه وبناته القصر والراشدين، إضافة إلى منشآت صناعية وتجارية وتعليمية وخدمية موزعة على عدة محافظات.
ووفق القرار، توزعت الأصول المحجوزة على أربعة قطاعات رئيسية؛ في القطاع الصناعي والإنتاجي، شمل الحجز معمل إنتاج القطر في حمص المسجل باسم نبيل طيرو، معمل كاجو في المدينة الصناعية بعدرا، شركة “أماندا” للصناعات الكهربائية في الكسوة، التي يديرها فارس ناصر الدين وأحمد منذر وترتبط تشغيلياً بفهد درويش.
وفي القطاع العقاري والفندقي، تضمن القرار الحجز على كتلة عقارية واسعة في منطقة السيدة زينب تشمل أراضي وبنايات وفنادق، ومنزلاً عربياً وأرضاً استثمارية في حي المهاجرين بمساحة 500 متر مربع، إضافة إلى أرض كبيرة على طريق المطار كانت تعود تاريخياً لعائلة أسامة بن لادن، وحُولت لاحقاً لجهة تعليمية.
وفي القطاع التعليمي والصحي والخدمي، شمل الحجز مدرسة “المميزون” الخاصة في حمص، وشركة “الأمين للتجهيزات الطبية”، وصيدلية مركزية للطوارئ في المهاجرين، ومركز تجميل وليزر في منطقة أبو رمانة، ونادياً للياقة البدنية في حي الإمام زين العابدين.
كما طال الحجز الأصول المالية والمنقولة، بما في ذلك الحسابات المصرفية في المصارف العامة والخاصة، والأسهم والحصص في الشركات، والموجودات التشغيلية من آلات وخطوط إنتاج وسيارات.
وأشار القرار صراحة إلى أن الحجز يشمل حقوق الإدارة والعوائد، بما يعني منع الاستفادة من الأرباح أو التحكم بتشغيل هذه الأصول.

عبد الله نظام: رجل إيران الديني بواجهة اقتصادية
يعتبر عبد الله نظام أحد أبرز رجال إيران في سوريا خلال السنوات الماضية، إذ لعب دوراً دينياً واقتصادياً متداخلاً، وأسهم في ترسيخ النفوذ الإيراني، لا سيما في العاصمة دمشق.
يشغل نظام رئاسة “الجمعية المحسنية” في دمشق، ويعرف كأحد مراجع الشيعة في حي الأمين، والمسؤول عن ملف المتشيعين في سوريا، إضافة إلى رعايته للجامعات الشيعية الأهلية في دمشق وإدلب والرقة.
برز اسم نظام منذ عام 2009 كشخصية فاعلة في مشاريع استثمارية مكّنت من توسع النفوذ الإيراني في أحياء دمشق ذات الغالبية الشيعية، مثل حي الأمين ومنطقة السيدة زينب، وبرز اسمه بشكل أكبر عندما أصبح وكيلاً للمرشد الإيراني، علي خامنئي، في سوريا، ومديراً لمجامع دينية متعددة.
رأس ما يسمى “الهيئة العلمائية” المعنية برجال الدين الشيعة، فضلاً عن إشرافه على “المدرسة المحسنية” في حي العمارة بدمشق، ويرأس فرع “مجمع السيدة رقية”، وهو عضو مجلس أمناء “جامعة بلاد الشام للعلوم الشرعية”، وفي نيسان 2018، جرى تعيينه مستشاراً لوزير الأوقاف للشؤون الدينية.
إلى جانب نشاطه الديني، لعب نظام دوراً اقتصادياً لافتاً، إذ ورد اسمه في هيئة الرقابة الشرعية لشركة “العقيلة للتأمين التكافلي”، وأسهم في دخول إيران إلى سوق التأمين الإسلامي في سوريا.
أشير إليه في تقارير إعلامية عديدة كأحد أبرز الوسطاء الذين تربطهم بعلاقات وثيقة بالمصالح الإيرانية في سوريا، وخصوصاً دوره في شراء عقارات واسعة في دمشق القديمة، ولا سيما في محيط الجامع الأموي، حيث اعتمدت عليه إيران في إعداد صفقاتها العقارية، مستخدماً نفوذه الديني وعلاقاته مع نظام الأسد لإقناع السكان ببيع ممتلكاتهم لمستثمرين إيرانيين.

فهد درويش: حلقة الوصل الاقتصادية مع طهران
برز اسم فهد درويش خلال السنوات الأخيرة بوصفه أحد أبرز الواجهات الاقتصادية الإيرانية في سوريا، وظهر اسمه ضمن قوائم الفائزين بعضوية مجلس الشعب عن مدينة دمشق في انتخابات تموز 2024، وذلك ضمن قائمة “الشام”، التي كان يرأسها رجل الأعمال محمد حمشو، المقرب من نظام الأسد والمدرج على قوائم العقوبات الأميركية والأوروبية.
وكانت قائمة “الشام” حينها تضم مجموعة من رجال الأعمال ضمن الدائرة الضيقة لداعمي نظام الأسد الاقتصاديين، والمرتبطين بشكل وثيق بإيران ونشاطاتها في سوريا.

لم يكن حضور فهد درويش وظهوره الدائم في الاجتماعات التي جمعت شخصيات إيرانية رسمية ورجال أعمال إيرانيين مع مؤسسات نظام الأسد الاقتصادية أمراً عابراً، بل عكس دوره كحلقة وصل موثوقة لطهران داخل السوق السورية.
وسبق أن أكدت مصادر مطلعة في دمشق بأن درويش، الحامل للجنسية الإيرانية، لعب دوراً محورياً في تسهيل دخول المنتجات والخدمات والشركات الإيرانية إلى سوريا، وتذليل العقبات أمامها، ما جعله طرفاً أساسياً في أي نشاط اقتصادي يجمع الجانبين.

صعود نفوذ مدفوع بالدعم الإيراني
لم يكن فهد درويش معروفاً على نطاق واسع قبل عام 2011، إذ كان أول ظهور بارز له نهاية عام 2010 عندما مُنح عقد استثمار “مجمع العباسيين الاستهلاكي”، قبل أن يتكبد خسائر كبيرة مع اندلاع الثورة السورية. إلا أن مكانته تعززت لاحقاً بدفع إيراني مباشر، ليصبح بعد سنوات قليلة واحداً من أبرز الأسماء في المشهد الاقتصادي السوري.
بعد ذلك، شغل درويش عدة مناصب مؤثرة، من بينها عضوية المكتب التنفيذي لاتحاد غرف التجارة ورئاسة لجنة التصدير، وعضوية مجلس هيئة الصادرات السورية، ومجلس إدارة شركة “العقيلة للتأمين” المدرجة على قوائم العقوبات الأميركية، إضافة إلى رئاسته الغرفة التجارية السورية الإيرانية، ما عزز موقعه كواجهة اقتصادية لطهران.

هندسة الصفقات وتجاوز العقوبات
منذ عام 2012، استثمرت إيران خبرة فهد درويش في هندسة الصفقات التجارية الطويلة الأمد، مستفيدة من قدرته على اقتناص الفرص وتجاوز القيود.
ووفق تقرير لمجلة “إنتيليجنس أونلاين”، لعب درويش دورا رئيسيا في تنظيم معرض “صنع في إيران” بدمشق عام 2021 بمشاركة نحو 160 شركة إيرانية، كما أسهم في إدخال معدات طبية إيرانية إلى مشاف عسكرية، وتسهيل تجاوز العقوبات الدولية المفروضة على طهران، ما ساعدها على التمدد السريع في السوق السورية.

إمبراطورية اقتصادية وواجهة للعقوبات
منذ عام 2018، شهدت أعمال فهد درويش توسعا ملحوظا بدعم إيراني مباشر، إذ أسس شركة “أرمادا” للتجارة والمقاولات، وأصبح وكيلاً حصرياً لعدد من الشركات الإيرانية، بينها “سايبا” لصناعة وتجميع السيارات، واستورد آلاف الجرارات الإيرانية إلى سوريا.
كما لعبت شركته “البركة للأدوية”، المرتبطة بشركة “البركة القابضة” الإيرانية، دورا في استيراد الأدوية، ولا سيما الخاصة بالأمراض الخبيثة، وتأمين مستلزمات طبية لقوات نظام الأسد ومشافيه العسكرية.

المصدر: تلفزيون سوريا

فهد درويش إلى يسار سفير إيران لدى النظام السوري مهدي سبحاني خلال اجتماع في غرفة صناعة دمشق وريفها
بصفته رئيس الغرفة التجارية السورية الإيرانية المشتركة، أسهم درويش في تعزيز التبادل التجاري بين البلدين، واستحواذ إيران على أكثر من 40 منشأة صناعية استراتيجية، كما عُرف بأنه مهندس مشروع الخط البحري بين ميناء بندر عباس الإيراني وميناء اللاذقية، وعرّاب لوبي اقتصادي إيراني داخل مجتمع رجال الأعمال السوريين.
وعلى الرغم من بقائه لسنوات خارج قوائم العقوبات، أُدرج اسمه في 23 من كانون الثاني 2024 على قوائم العقوبات الأميركية والأوروبية، بوصفه واجهة اقتصادية للشركات الإيرانية في سوريا ومتورطاً في تجاوز العقوبات المفروضة على الجانبين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى