الاتحادات النقابية الفلسطينية في سوريا: واجهات للتمثيل أم أدوات لإعادة النفوذ؟

ماهر حسن شاويش

في الأسبوع الأول من عام 2026، شهدت دمشق سلسلة اجتماعات ومؤتمرات للاتحادات الشعبية والنقابية الفلسطينية: اتحاد الكتّاب والأدباء، اتحاد المهندسين، اتحاد المعلمين، اتحاد العمال، إلى جانب نشاطات متصلة بالاتحاد العام للمرأة الفلسطينية. للوهلة الأولى، قد يبدو المشهد وكأنه استعادة متأخرة للحياة النقابية الفلسطينية في سوريا، بعد سنوات من الخراب والتهميش. لكن التمحيص في السياق، والتوقيت، وطبيعة الرعاية السياسية، يكشف أن ما يجري أبعد ما يكون عن نهوض نقابي حقيقي، وأقرب إلى إعادة ترتيب التمثيل السياسي عبر واجهات مهنية وشعبية.
هذه العودة لا تأتي بعد مراجعة، ولا تحمل اعتذاراً، ولا تُبنى على مساءلة لدور الفصائل الفلسطينية خلال سنوات الكارثة السورية. بل تأتي فجأة، منظَّمة، ومتزامنة، وبرعاية رسمية مباشرة من منظمة التحرير الفلسطينية وسفارة دولة فلسطين في دمشق، وبحضور كثيف لقيادات حركة فتح وأطرها، بما يحوّل الاتحادات من فضاءات مطلبية مستقلة إلى ممرات آمنة لإعادة تثبيت النفوذ السياسي.
ما نراه اليوم هو واقع فصائلي مهترئ، استنفد كل مبررات وجوده، وتحول من إطار نضالي إلى شبكة مصالح.
أين كانت هذه الاتحادات حين كان وجودها واجباً؟
السؤال الجوهري الذي يتجنبه الجميع هو:
أين كانت هذه الأطر النقابية حين دُمِّرت المخيمات؟
حين سُحق مخيم اليرموك؟
حين فقد آلاف الفلسطينيين في سوريا بيوتهم، وأعمالهم، وأوراقهم، وأبسط أشكال الحماية السياسية والاجتماعية؟
لم نرَ اتحادات تدافع، ولا بيانات تحمي، ولا لجان إغاثة مستقلة، ولا مواقف جريئة تضع المسؤولية في مكانها. تُرك الناس وحدهم، بلا مظلة، بلا صوت، بلا جهة تقول: نحن مسؤولون. واليوم، بدل أن تبدأ العودة من الاعتراف والمحاسبة، تبدأ من تقاسم المواقع والهيئات الإدارية.
الاتحادات كأداة لا كقضية
ما تكشفه الوقائع أن الاتحادات الشعبية لا تُفعَّل اليوم بوصفها مؤسسات تخدم الناس، بل بوصفها أدوات سياسية. الهدف ليس تحسين شروط عمل المعلم أو المهندس أو العامل أو الكاتب، بل ضمان السيطرة على قنوات التمثيل، تمهيداً لاستحقاق أكبر:
اختيار ممثلي الساحة السورية في المجلس الوطني الفلسطيني المزمع عقده خلال النصف الثاني من العام.
بهذا المعنى، تصبح المؤتمرات والاجتماعات والتهاني المتبادلة خطوات في عملية واحدة:
ضبط التمثيل مسبقاً، ومنع ظهور أي مرجعية شعبية مستقلة خارج الإطار التقليدي الخاضع للنفوذ السياسي.
فتح وحماس، الاختلاف في الأسلوب لا في الجوهر
ولا يمكن فصل هذا التسارع عن القلق الواضح من أي تحركات موازية، مثل اللقاءات التي جرت في مخيم اليرموك نهاية العام الماضي مع شخصيات نقابية ومجتمعية خارج عباءة السيطرة الرسمية، والتي قوبلت لا بوصفها حواراً، بل كتهديد من المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج يجب احتواؤه.
كما تُقدَّم هذه التحركات على أنها ردّ على محاولة تمدد أو ترتيبات تسعى حركة حماس للقيام بها داخل بعض الأطر الشعبية.
لكن الحقيقة أن الصراع هنا ليس على خدمة الناس، بل على احتكار المرجعية. يختلف اللاعبون في الأسلوب والتوقيت، لكن الجوهر واحد:
التحكم بالاتحادات بوصفها أوراق قوة في معركة الشرعيات، لا أدوات دفاع عن مجتمع منكوب.
وليس المشهد محصوراً بين فتح وحماس، كما يحاول بعضهم تسويقه. فبقية الفصائل الفلسطينية حضرت هي الأخرى، كلٌّ ليأخذ حصته من الكعكة، وليحجز مقعده في معادلة الكوتا المعهودة: هذا اتحاد لهذا الفصيل، وتلك هيئة لذاك، وكأن ما جرى في سوريا لم يكن زلزالاً سياسياً وأخلاقياً، بل مجرد “انقطاع مؤقت” في تقاسم الحصص. يعودون جميعاً بالعقلية ذاتها، وبالأدوات ذاتها، وبالخطاب ذاته، حتى ليصحّ القول: كأنك يا أبو زيد ما غزيت.
ما نراه اليوم هو واقع فصائلي مهترئ، استنفد كل مبررات وجوده، وتحول من إطار نضالي إلى شبكة مصالح. القضية الفلسطينية، في هذا السياق، لم تعد مشروع تحرر كما يُفترض، بل تحوّلت – عند كثيرين – إلى تجارة سياسية: تدوير مناصب، تبادل مواقع، مراكمة امتيازات، وادّعاء تمثيل بلا تفويض. تُستدعى التضحيات كشعار، في حين تُفرغ من مضمونها في الممارسة، ويُتاجر بدم الشهداء في قاعات مغلقة لا يسمع فيها صوت الناس.
الأخطر من الفشل هو التطبيع مع الفشل. أن يُقدَّم هذا الواقع بوصفه “الخيارات المتاحة”، وأن يُطلب من مجتمع منكوب أن يقبل بالمعادلة نفسها التي خذلته، فقط لأن البديل غير مسموح له أن يولد. هنا لا تعود المشكلة في ضعف الأداء، بل في انهيار المعنى: حين تنفصل الفصائل عن النضال، وتنفصل المؤسسات عن الناس، وتُختزل القضية في إدارة مواقع لا في مواجهة احتلال.
أن يُعاد إنتاج الوصاية نفسها، بالأسماء ذاتها، وبالعقلية ذاتها، فهذا ليس حفاظاً على القضية، بل استنزافاً لما تبقى منها.
من التمثيل إلى التزوير
المشكلة ليست في وجود اتحادات، بل في كيفية بنائها ومن يتحكم بها.
الاتحاد الذي لا ينبثق من قاعدة اجتماعية حرة، ولا يخضع للمساءلة، ولا يملك استقلالية عن القرار السياسي، ليس اتحاداً، بل واجهة.
والتمثيل الذي لا يمر عبر الاعتراف بالأخطاء والمحاسبة عليها، هو شكل من أشكال التزوير، مهما اكتسى بلغة وطنية أو نضالية.
لا يمكن مطالبة الضحية بأن تمنح جلادها تفويضاً جديداً بذريعة “عدم ترك الفراغ”.
فالفراغ الحقيقي ليس غياب الأطر، بل غياب المحاسبة.
والخطر ليس في ضعف الاتحادات، بل في صمتها وتحويلها إلى أدوات تلميع وإعادة إنتاج للفشل.
ما يجري اليوم في الساحة الفلسطينية في سوريا ليس عودة سياسية ناضجة، بل إعادة تدوير للانهيار.
ليس تنافساً على البرامج، بل سباقاً على المواقع.
وليس محاولة إنقاذ، بل إدارة منظمة للخراب.
من غاب عن الناس في لحظة الخطر، لا يملك حق القفز فوق آلامهم.
ومن شارك في إنتاج الكارثة، أو صمت عنها، لا يحق له ادعاء التمثيل.
أما السياسة التي تُبنى فوق الركام من دون اعتراف أو مساءلة، فليست خروجاً من الجريمة، بل استمراراً لها بأدوات أكثر أناقة.
أخيراً: إلى اللاجئين الفلسطينيين في سوريا
إلى أبناء المخيمات التي دُمِّرت ولم تُستشر، إلى من صمدوا بلا اتحادات تحميهم، ولا فصائل تمثلهم، إلى من دفعوا ثمن الغياب السياسي مضاعفاً: مرة بالخراب، ومرة بالصمت عنه، هذه ليست معركة مواقع تخص النخب، بل معركة كرامة وحق. لا تسمحوا بأن يُعاد اختزالكم في هيئات تُشكَّل من دونكم، ولا بأن يُتاجر بآلامكم تحت عناوين “التمثيل” و“الشرعية”. التمثيل الحقيقي لا يُمنح من فوق، ولا يُرتَّب في السفارات، ولا يُبنى على النسيان. يُنتزع من القاعدة، من الناس، من حق السؤال والمحاسبة.
لا تطلبوا المستحيل. اطلبوا فقط ما هو بديهي:
من يتحدث باسمكم فليقل أولاً ماذا فعل حين كنتم وحدكم.
ومن يطلب ثقتكم اليوم، فليقدّم كشف حساب عن الأمس.
أما أن يُعاد إنتاج الوصاية نفسها، بالأسماء ذاتها، وبالعقلية ذاتها، فهذا ليس حفاظاً على القضية، بل استنزافاً لما تبقى منها. مستقبل الوجود الفلسطيني في سوريا لن يُصان بالشعارات ولا بالمؤتمرات المغلقة، بل بإعادة الاعتبار للناس، ولحقهم في أن يكونوا شركاء لا متفرجين.
التمثيل الذي لا يمر بكم لا يمثّلكم، والسياسة التي لا تنحاز لكرامتكم لا تستحقكم.
المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى