
إذا تجاوزنا البروتوكولات والتصريحات الدبلوماسية، تقف مجموعة معوّقات أكثر تأثيراً سياسياً وعملياً، وتظهر إلى السطح الخلافات الحقيقية التي تحول دون الوصول إلى اتفاق فعلي بين الحكومة السورية و«قسد».
لا تتعلّق هذه الخلافات بتفاصيل تقنية أو إجرائية، بل تمسّ جوهر المشروعين، وطبيعة السلطة، وتعريف الدولة، ومعنى الشراكة وحدودها. ومن أبرز تلك الخلافات:
1ـ غياب الثقة التراكمية الناتج عن تاريخ طويل من الاضطهاد:
اعتمدت التيارات اليسارية والقومية منذ الستينيات على القومية العربية. كما ألغى حزب البعث العربي الاشتراكي، بعد تولّيه السلطة منذ عام 1963، الوجودَ الكردي من الخطاب الرسمي والحياة العامة. بعد تولّي الأسد السلطة عمد إلى عرقلة ومنع معالجة تلك المشكلة، بل وعمّقها قانونياً من خلال حرمان الأكراد من التسجيل المدني والتملّك والتوظيف. ثم جعل المسألة الكردية قنبلةً موقوتةً من خلال دعم جزء من الأكراد عسكرياً (جناح أوجلان) وإقامة علاقة عضوية معهم، مقابل التهميش التام والاضطهاد للشعب الكردي، مما سمح بنشوء حالة تذمّر عام، لكنه ظلّ ممسكاً بخيوط توجيهه من خلال السيطرة على شخصيات كردية فاعلة قادرة على التحكّم بالفضاء الكردي العام.
بعد عام 2012 منح الأسد تلك الشخصيات السيطرةَ والموارد، مما سمح لها بإدارة وتوجيه الشارع الكردي. وبما أن تلك الشخصيات تنتمي للـ PKK، وتتبنّى اليسار الثوري اللينيني عقليةً ومنهجاً، فسرعان ما اصطدموا مع حركات السلفية الجهادية المقاومة التي انتشرت في الجزيرة. ولم يكن من الصعب عليهم تعبئة الشارع الكردي أيديولوجياً ضد العدو الحالي (نتكلّم عن 2012)، ونسيان الجهة التي قامت باضطهادهم طوال خمسين عاماً، خصوصاً أن جرائم داعش في مناطقهم وبحق أهاليهم أنستهم جرائم الأسد الماضية، وشوّشت عليهم رؤية جرائمه على الضفة الأخرى.
العلاقة بين دمشق و«قسد» لم تُبنَ يوماً على شراكة سياسية، بل على إدارة مؤقتة للتناقض والاستخدام المتبادل.
2ـ تناقض الأيديولوجيا: اليسار اللينيني vs السلفية الجهادية:
يتحدّث الطرفان بلغة مختلفة تماماً، ومعتقدات وأهداف ورؤية للعالم متناقضة. لا تستطيع قيادات قسد أن تهضم عودة الدين إلى الفضاء العام، وهي التي تنتمي إلى ذلك الجيل من اليسار العربي الذي يشدّد على أن الدين أفيون الشعوب ويجب سحقه. كما أن قيادات دمشق تحتار في تبرير تلك الشراكة لقواعدها، من دون حصول خلافات ومشاجرات يمكن أن تتطوّر بسرعة إلى صدامات في الشارع مستقبلاً.
فكلا الطرفين يتعامل مع السياسة بوصفها أداة للضبط لا للتعدّد، ومع المجتمع بوصفه مجالاً للإدارة لا شريكاً في القرار. هذا التشابه البنيوي في الاستبداد هو ما يجعل التفاهم أكثر تعقيداً. صحيح أن دمشق تبدي انفتاحاً أكبر، ولكن لا تجارب مبشّرة في العالم العربي عموماً، وسوريا خصوصاً، وهذا ما يجعل الأكراد متخوّفين من هذا الجديد، ولا يثقون به.
3ـ المشروع الانفصالي المؤجّل لا الملغى:
حتى في أشدّ مراحل البراغماتية السياسية، لم تتخلَّ «قسد» عن البعد الانفصالي في مشروعها. صحيح أنها قامت بتأجيله في خطابها الرسمي، ولكن من يزور الجزيرة السورية (وقد زرتها عام 2019) ويتمشّى في شوارعها سيجد صور أوجلان وشعارات كردستان الكبرى في كل مكان. هذا البعد لا يُقرأ في الشعارات فقط، بل في بنية المؤسسات، والمناهج التعليمية، والخطاب السياسي، والخطاب العقائدي الذي تلقّنه قسد لأعضاء الجيش والشرطة والأمن.
بالنسبة لدمشق، لا يمكن القبول بأي كيان يحتفظ بإمكانية الانفصال بوصفها خياراً مستقبلياً. وهنا يتكرّس المشروع الانفصالي كمعوّق بنيوي لا يمكن تجاوزه بالضمانات اللفظية أو الإجراءات الشكلية.
4ـ أي شراكة تعني عملياً انهيار المشروع الانفصالي لـ«قسد»:
من وجهة نظر «قسد»، لا يمكن لأي شراكة حقيقية مع دمشق أن تتمّ من دون أن تُفضي إلى تفكيك جوهر مشروعها السياسي. فالدخول في مؤسسات الدولة السورية والخضوع لسلطة سورية يعني التخلي عن بنية الحكم الذاتي، وعن السيطرة العسكرية المستقلة، وعن خطاب «الإدارة الذاتية» بوصفه بديلاً للدولة المركزية وطريقاً لكردستان الكبرى.
بالمقابل، ترى دمشق أن أي صيغة شراكة لا تنتهي بإعادة إنتاج الدولة المركزية تُعدّ مساساً مباشراً بوحدة البلاد وسيادتها وفق منطق الدولة الحديثة. هنا يصبح الاتفاق صفقة صفرية: إمّا دولة واحدة بسلطة واحدة، أو كيان موازٍ مستقل لا يُخفي سعيه للانفصال وضمّ أراضٍ من دول أخرى ضمن مشروع الدولة الكردية الكبرى.
تم طرح حل وسط بإبقاء وحدات عسكرية كردية، وهي ثلاث فرق، ولكن قسد تريد استقلالية عسكرية وأمنية في مناطقها. ولكن هذا يولّد إشكالات أخرى، فماذا لو رفضت مكوّنات أخرى في الجزيرة السورية الخضوع لسلطة قسد الأمنية أو فضّلت الخضوع لسلطة دمشق، مثل المكوّن العربي والآشوري والسرياني، والقبائل العربية التي تملك الثقل الديمغرافي في بعض مناطق الجزيرة؟
5ـ الخوف المتبادل من الإقصاء بعد الاتفاق:
العلاقة بين دمشق و«قسد» لم تُبنَ يوماً على شراكة سياسية، بل على إدارة مؤقتة للتناقض والاستخدام المتبادل. تعامل الطرفان بمنطق «عدم الاشتباك» لا بمنطق الاتفاق، ما راكم تاريخاً من الشك المتبادل. كما أن كل خطوة كانت تُقرأ بوصفها تكتيكاً مرحلياً، لا مساراً استراتيجياً، ما يجعل أي التزام هشّاً وقابلاً للنقض عند أول اختبار.
ومنذ عام 2012، ومع ظهور ورسوخ الفصائل الكردية والثورية والجهادية، كانت علاقة التصادم والاقتتال هي القاعدة. لن ندخل في تحليل الأسباب، فلها موضع آخر، ولكن النتيجة أنه لم تنشأ حالة حوار وتفاوض بين تلك الأطراف أو خطوات تنفيذ متبادلة تراكم خبرات وتبني ثقة، بل حكم علاقتهم الصدام والاقتتال. واليوم يجد الطرفان أنفسهما وجهاً لوجه مع ما حملته تلك السنوات، مما يصعّب الحوار أكثر. يخشى كلا الطرفين أن يكون الاتفاق مجرّد مرحلة انتقالية تنتهي بإقصائه؛ دمشق تخشى ترسيخ كيان موازٍ، و«قسد» تخشى سيناريو التفكيك ثم التهميش أو الانتقام السياسي.
المثال الأبرز هنا أن الطرفين لم يتّخذا أي خطوة صغيرة منذ اتفاق آذار. هذا يعكس العجز الإداري إضافة إلى العجز السياسي في إعادة بناء الثقة وتحويل المشكلات إلى فرص صغيرة يقدّمها الطرفان ويقومان بمعالجتها تدريجياً. إصرار قسد على وضع العراقيل لا يُعفي الحكومة من تقديم المقترحات واجتراح الحلول الإدارية التدريجية خلال الأشهر العشرة الأخيرة، ومن ثمّ إبراز الطرف الرافض للوحدة السورية.
مناطق سيطرة «قسد» ليست متجانسة إثنياً أو سياسياً. هناك عشائر عربية، وقوى محلية، وشبكات مصالح إمّا تريد عودة الدولة المركزية أو تخشى منها وترفضها.
6ـ تضارب الرعاة الخارجيين:
«قسد» ليست فاعلاً محلياً صرفاً، بل نتاج دور وظيفي بدأ مع نظام الأسد، ثم جاء الدعم الأميركي لمواجهة داعش (نتكلّم عن كيان قسد وليس الأكراد). ومع أن حدود الدعم الأميركي تقف عند حدود إعلان الانفصال وإعلان دولة كردية، إلا أن واشنطن تريد الاحتفاظ بقسد تحت الطلب: فصيلاً ضمن محيط معادٍ (حتى لكردستان العراق)، وبالتالي لا خوف من خروجه عن السيطرة، ويسهل توجيهه، خصوصاً مع المظلومية الكردية.
في حين تتحرّك دمشق ضمن شبكة تحالفات متشابكة ومعقّدة: أميركا – تركيا – روسيا – المنظومة العربية، وتواجه تعقيدات العلاقة مع الكيان وأذرع إيران. هذا التضارب يجعل أي اتفاق داخلي مرهوناً بإرادات خارجية متناقضة، ويحوّل التفاهم السوري – السوري إلى ملف تفاوض غير مباشر بين قوى دولية وإقليمية.
7ـ العامل العشائري في مناطق سيطرة «قسد»:
مناطق سيطرة «قسد» ليست متجانسة إثنياً أو سياسياً. هناك عشائر عربية، وقوى محلية، وشبكات مصالح إمّا تريد عودة الدولة المركزية أو تخشى منها وترفضها. كثير من العشائر تمّ إخضاعهم واستمالتهم بالترهيب، وتعرف «قسد» جيداً أنهم بمنزلة قنبلة موقوتة ستنفجر في وجههم فور تراخي القبضة الأمنية أو وصول وحدات الجيش السوري النظامي، التي تُعتبر (من زاوية مصالح قسد) وحدات دعم لكل الأطراف المعادية لقسد. هذا العامل يضغط بقوة لعدم السماح للجيش السوري بالدخول والتمركز في الجزيرة السورية.
الاتفاق الكردي – الحكومي يصطدم بمعوّقات بنيوية تتجاوز الأشخاص والإرادة السياسية المعلنة. ما لم تُبنَ الثقة، ويتم تجاوز التنافر الأيديولوجي نحو نقاط مشتركة، ويُعالج التناقض الجوهري بين مشروع الدولة المركزية ومشروع الحكم الذاتي (الانفصال المؤجَّل)، ستبقى كل الاتفاقات مؤقّتة، وكل المهل قابلة للتمديد، وكل الحلول مؤجَّلة إلى أجل غير مسمّى.
المصدر: تلفزيون سوريا






